مآلات ميديا – متابعات :
في مشهدٍ ينضح بسياق التقهقر أكثر من انتصار التمثيل، يظهر جيش الاحتلال الصهيوني مثقَّلاً بخيبات أدّت إلى تغيير مسار مقاتليه النخبة من جبهة الشمال إلى محرقة غزة، في خطوة تُقرأ كاعتراف صامت، بل كإقرار ميداني، بهزيمة مستمرة في مواجهة محاور المقاومة. سحب ألوية “جولاني” و”باراك” والمظليين من جنوب لبنان، بعد أشهر من الاستنزاف عند مجرى نهر الليطاني، لا يُعدّ مجرد تجديد لخطّة عسكرية، بل يُعدّ فراراً من وحلٍ مهيمنٍ بات يُهدّد ليس فقط بمعنويات الجنود، بل بقدرة قيادة المؤسسة العسكرية الصهيونية على إقناع جهوريها الداخلي والدولي بأنها ما زالت تمتلك قرار الوصول إلى “الحسم الميداني”. هذا التخريب الاستراتيجي، أو التخبّط، كما يُوصف، يُقدّم مشهداً جديداً: لا قوة تنطلق من نقطة قوة، بل جيش منهك يُلقى بخيرة مقاتليه إلى محرقة أخرى في محاولة يائسة لترميم صورة مهزوزة، لا لإعادة بناء مشروع استراتيجي جديد.
في غزة، يُضاف إلى هذا المزاج الهش واقع ميداني مختلف: جبهة مغلقة، مساحة ضيقة، وكثافة سكانية عالية، تُحوّل أي محاولة لـهجوم صهيوني إلى مجازفة مكلفة. ما يُوصف بـ”المحرقة” هو تجسيد لهذا الانضغاط؛ جنود يُستهلكون بدنياً ونفسياً في ممرات مدمَّرة، وسط مناطق مدنية مدمَّرة، وشبكة مقاتل منتشرة تعرف تضاريس المكان بلغتها اليومية. في المقابل، تبقى غزة، كما جنوب لبنان، كبنية مرصوصة، تُحوّل كل محاولة اختراق إلى كمين مسبق، وكل دخول إلى ممرات موت لا تُعرف له زاوية خروج نظيفة. هذا الثبات يُعيد تعريف تعدد الجبهات: فما كان يُنظر إليه لدى العدو كمصدر قوة، أي قدرة على فتح محاور متعددة، بات عبئاً ثقيلاً يُنهك جيشه، يُشتّت قيادته، ويُضعف قدرته على استيعاب خسائر متصاعدة، بينما تبقى المقاومة في غزة والجنوب تُحرّك وفق منطق الجغرافيا والزمن، لا وفق التوافه الإعلامية.
في الخلفية السياسية، تبرز دولة الإمارات كمثابة جديدة في هذا المشهد: لا بوصفها وسيطاً، بل بوصفها “عاصمة أمنية للصهاينة”، كما يُوصف دورها حالياً. تحويل أبوظبي إلى مركز خلفي لاستقرار المُستوطنين الجدد، يُرافق بتنفيذ إملاءات أمريكية–صهيونية عبر ترحيل الجالية الباكستانية، وتجهيد أموالها، وتشديد الإجراءات الأمنية على كل نفَس مقاوم، يُعبّر عن تحوّل أخلاقي واضح. ما يجري في الإمارات ليس مجرد إجراءات أمنية، بل مشروع استئصال ممنهج لكل شكل من أشكال التضامن أو التعبير الذي قد يُفسّر كتهديد لمكانة المُستوطنين الجدد، أو يُشكّل موضع ضعف لأمن النظام الذي اختار أن يُربط مصيره بمصالح الاحتلال الصهيوني. في هذا السياق، يُصبح “التحالف الغارقون” وصفاً أدقّ من “التحالف الإقليمي”، فالطرف المُحتل يغرق في معاركه، وحلفاؤه في الخليج يغرقون في مغامرات أمنية داخلية تُقوّض بنيتها الاجتماعية، وترفع منسوب التوتر الداخلي، بينما يُستهلك الشعب الفلسطيني في غزة والجنوب، ليس كقوة مقاتلة فقط، بل كمصدر دفاع للمنطقة بكاملها.
ما يُلفت هنا أن اعتراف الجيش الصهيوني الضمني بالهزيمة، عبر تغيير مسار ألوية النخبة، يُوازيه اعتراف أخلاقي غير مُعلن من النظام الإماراتي بأن أي معارضة للصهاينة، حتى لو كانت إنسانية أو حقوقية، يجب أن تُستأصل من الجذور. هذا يمهّد لمرحلة جديدة من العلاقة بين المقاومة والاحتلال الصهيوني والدول المتحالفة معه: لا تفاوضات حقيقية، بل صراع مرحلي يُبنى على اختلال ميداني، ويُديره انزلاق أنظمة إقليمية إلى مآزق أمنية داخلية. في النهاية، يُبقى الميدان هو الحكم، لا البيانات، ولا الاتفاقات الموقعة تحت ضغط الغرب، ولا صور زيارات القادة إلى أبوظبي. غزة والجنوب، بمنارتيهما الباقتين فوق الركام، تُثبت أن تعدد الجبهات بات سلاحاً ضدّ سياسة الاستعمار، لا ضد المقاومة، وأن الهيمنة التي ظنّت أن سلاحها تكنولوجيا الأسلحة، ستُكتب نهايتها في وحل المواقف، وقسوة المقاومة التي ترفض التسليم حتى بسقف الهزيمة المعلنة.
اكتشاف المزيد من مآلات ميديا
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.




















