الشهاري الشرفي – مآلات ميديا:
إن القراءة السطحية للتاريخ القريب والبعيد لا تصنع وعياً، بل تعيد إنتاج الوهم. وما يشهده الواقع العربي اليوم من قلبٍ للمفاهيم ليس مجرد تباين في وجهات النظر السياسية، بل تشويه ممنهج للمرتكزات الثابتة؛ حيث باتت بوصلة العداء تُوجَّه نحو من يدعم المقاومة، بينما يُعفى المتسبب الحقيقي في المآسي من مسؤوليته.

ولعل أول ما يكشف هذا الخلل هو الطريقة التي أُعيد بها سرد ما جرى في العراق، لا بوصفه غزواً أمريكياً معلناً، بل باعتباره مادة قابلة للتزوير السياسي والإعلامي.

حين قادت الولايات المتحدة الأمريكية غزوها المدمر للعراق عام 2003، لم تفعل ذلك في فراغ؛ بل جرى ذلك بدعم وتسهيلات وفتح للأجواء والأراضي من قِبل أطراف عربية معروفة. دُمّرت مؤسسات الدولة العراقية، ونُهبت خيراتها، وبُذرت بذور الطائفية. وبالرغم من وضوح هوية الفاعل الغازي، تخرج السردية العربية الرسمية اليوم لتختزل مأساة العراق كله في العبارة الجاهزة: “إيران دمرت العراق”، متناسيةً من فتح أبواب بغداد للدبابات الأمريكية.

وهذه الآلية ذاتها لم تتوقف عند العراق، بل امتدت إلى سوريا واليمن، حيث تحوّل تمويل الخراب ورعاية الفوضى إلى محاولة لاحقة لإلصاق التهمة بالطرف الذي وقف في الجهة المقابلة لمشروع التفكيك.

في المشهد السوري، لم يكن خافياً حجم التدفق المالي والتسليحي واللوجستي الذي قدمته قوى إقليمية ودولية، من بينها واشنطن وتل أبيب وعواصم عربية وإقليمية، لدعم جماعات مسلحة وتكفيرية أسهمت في تمزيق النسيج السوري وإسقاط مدنه. في المقابل، وقفت إيران إلى جانب الحكومة السورية وجيشها لمنع انهيار الدولة بالكامل. ومع ذلك، تُقلب الآية في الخطاب الإعلامي السائد ليُقال إن “إيران هي من دمرت سوريا”.

أما في اليمن، فالشواهد لا تزال حية؛ تحالف عسكري عريض قاد حرباً وحصاراً لسنوات، وتسبب في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية، وساهم في تمزيق جغرافيا البلاد وتفكيك مؤسساتها. ولكن، بدلاً من إدانة المعتدي والمحاصِر، يستمر العزف على نغمة أن “إيران دمرت اليمن”، في محاولة للهروب من التبعات الأخلاقية والقانونية للدمار الحقيقي.

ومن هذه المفارقة يتضح أن المشكلة ليست في قراءة الوقائع فقط، بل في تعريف المفاهيم ذاتها؛ فحين يصل الخطاب الرسمي إلى فلسطين ولبنان، يصبح دعم المقاومة خطيئة، بينما يُمنح الاحتلال حق الظهور كأنه مجرد طرف في معادلة أمنية وسياسية.

أمام آلة البطش الإسرائيلية التي تحتل الأرض، وتسحق غزة، وتهجّر الفلسطينيين، وتعتدي يومياً على لبنان وسيادته، برزت إيران كطرف يقدم الدعم التسليحي والمالي واللوجستي لفصائل المقاومة الفلسطينية واللبنانية. هذا الدعم، الذي شكّل أحد خطوط الدفاع في وجه المشروع الصهيوني، يجري تصويره في الصالونات السياسية العربية الرسمية على أنه “تخريب لاستقرار المنطقة”، ليصبح القول السائد: “إيران دمرت فلسطين ولبنان”، في تبرئة فجة لجرائم الاحتلال المستمرة.

وهنا تبلغ المفارقة ذروتها؛ إذ لا يعود الأمر مجرد اختلاف في الموقف من دولة أو محور، بل يتحول إلى انقلاب كامل في المعايير: يُدان من يساند المقاومة، ويُبرَّأ من غزا، وحاصر، ودمّر، وموّل، وشرعن الاحتلال والعدوان.

إن هذه المواقف المقلوبة تكشف عمق الأزمة الهيكلية في منظومة العمل العربي الرسمي، والتي يصفها البعض بـ”الصهيو-عربية” نظراً لتقاطع مصالحها مع أجندات الاحتلال والهيمنة الغربية. فحين يصبح دعم المقاومة تدميراً، وتسهيل الغزو والعدوان حكمةً وسياسة، فإننا لا نكون أمام خلاف سياسي عابر، بل أمام عملية اغتيال ممنهجة للوعي العربي، تخدم في النهاية مشروعاً واحداً: بقاء المنطقة ممزقة وخاضعة.


اكتشاف المزيد من مآلات ميديا

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.