فؤاد أبوارس – مآلات ميديا :
في فجر الخميس الثامن والعشرين من مايو، أسدل الستار بهدوء على حياة الرئيس اليمني السابق عبد ربه منصور هادي في العاصمة السعودية الرياض، بعد سنوات من العزلة السياسية والإقامة البعيدة عن بلاده التي حكمها في واحدة من أكثر مراحلها اضطرابًا. لم يكد بيان مجلس الرئاسة المشكل و المدعوم سعوديا ينعي الرجل ويعلن الحداد وتنكيس الأعلام لثلاثة أيام حتى بدأت الأنظار تتجه إلى الرياض، حيث أعلنت أسرته أن الصلاة على جثمانه ستُقام عقب صلاة عصر الجمعة في جامع تركي بن عبد الله، قبل أن يُوارى الثرى في مقبرة العود، المثوى الذي احتضن من قبل عددًا من كبار الشخصيات السعودية. وفي اليوم التالي، احتشدت قيادات من مجلس القيادة الرئاسي يتقدمهم رشاد العليمي، وإلى جواره طارق صالح، مع عدد من اليمنيين والسعوديين، بينما شكّل أبناء الجالية اليمنية في الرياض طوقًا بشريًّا حول نعش الرئيس الراحل، في تشييع رسمي وشعبي انطلقت عقب صلاة العصر من رحاب الجامع الكبير نحو مقبرة العود، حيث طُويت بصمت صفحة رجل ارتبط اسمه بعقد كامل من الحرب والسياسة والارتهان للجار الشمالي.
لم يكن رحيل عبد ربه منصور هادي حدثا عاديا في سجل وفيات السياسيين العرب، بل بدا كأنه اللحظة التي قررت فيها الوقائع أن تضع سطرًا فاصلاً تحت مرحلة طويلة من تبعية القرار اليمني للرياض وثمن هذه التبعية عند لحظة الختام. فالرجل الذي صعد إلى الرئاسة في 2012 على وقع احتجاجات 2011 كمرشح توافقي وحيد، ثم انتهى به المطاف إلى الإقامة في السعودية منذ إطلاق عملية “عاصفة الحزم” عام 2015، لم يُعرف عنه يومًا أنه قال “لا” لحليفه السعودي، لا في السياسة ولا في الأمن ولا في إدارة ملف الحرب والسلام. منذ أن تولى الحكم، ارتبط اسم هادي بالانتقال السياسي الذي أفضى إلى مؤتمر الحوار الوطني الشامل، ثم ثورة 21 سبتمبر ، وصولاً إلى خروجه إلى الرياض التي تحولت من “داعم لشرعية هادي” إلى مركز القرار الفعلي في الملف اليمني. هناك، في العاصمة السعودية، عاش هادي الذي يفترض أنه يقود بلاده من المنفى الاختياري، بينما تشير تحليلات عديدة إلى أن الدور السعودي راح يتضخم تدريجيًا حتى تحوّل هادي إلى واجهة سياسية تمنح الغطاء القانوني والعربي والدولي لتدخل عسكري وإقليمي واسع النطاق.
ومع تعاظم نفوذ التحالف ومراكمة شبكات الولاء المحلية والإقليمية، أخذت شرعية الرجل نفسها تتآكل، حتى بات كثيرون في الداخل اليمني يرونه مجرد ختم يمر عبره قرار لا يُصنع في اليمن، بل خلف أبواب مغلقة في الرياض. وحين جاء أبريل 2022، بدا أن صفحة هادي طُويت سياسيًّا قبل أن تُطوى حياته فعليًّا، بعد أن أعلن، تحت وطأة ضغوط سعودية وإقليمية واضحة، نقل صلاحياته إلى مجلس قيادة رئاسي جديد برئاسة رشاد العليمي. لم يقاوم الرجل، ولم يصدر عنه ما يشير إلى اعتراض أو حتى إلى محاولة تحسين شروط خروجه من المشهد، بل قبل بصيغة نقل صلاحيات غير مسبوقة في تاريخ اليمن المعاصر، من رئيس منتخب – ولو في انتخابات شكلية – إلى مجلس متعدد الرؤوس يتقاطع عنده النفوذ السعودي والإقليمي والمحلي. منذ تلك اللحظة، اختفى هادي فعليًّا عن الأنظار، مكتفيًا بالإقامة الصامتة في الرياض، فيما تولى الآخرون إدارة الحرب المتعبة ومسارات التفاوض المتعرجة، وبقي اسمه في الخلفية كشاهد على مرحلة أكثر مما بقي لاعبًا فيها.
غير أن المفارقة الأبلغ لم تظهر إلا في يوم وداعه الأخير؛ فالرجل الذي منح السعوديين الغطاء السياسي والقانوني لعاصفة الحزم، وأجاز تدخلهم العميق في الشأن اليمني، شُيّع جثمانه في الرياض في جنازة رسمية وشعبية واسعة من الجانب اليمني، لكنها بدت محدودة الحضور من حيث رموز القيادة السعودية العليا. أُديت صلاة الجنازة بعد العصر في جامع تركي بن عبد الله بحضور رئيس مجلس القيادة الرئاسي ونوابه وشخصيات عسكرية ومدنية يمنية، إلى جانب وفود سعودية رسمية، ثم ووري الجثمان الثرى في مقبرة العود، غير أن أعين المراقبين التقطت الغائبين أكثر مما رصدت الحاضرين. فقد غاب الملك، وولي العهد، والوزير المسؤول مباشرة عن الملف اليمني، وحتى السفير الذي كان ذات يوم مهندسًا لتفاصيل النفوذ السعودي في اليمن، في مشهد قرأه كثيرون كإشارة بليغة إلى أن “الدور انتهى”، وأن تكاليف الحضور البروتوكولي في لحظة الوداع لم تعد جزءًا من حسابات الرياض.
هذا الغياب السعودي عن صدر مشهد الجنازة لا يمكن اعتباره محض صدفة بروتوكولية، خصوصًا إذا وضع في سياق التحولات التي تشهدها السياسة الخارجية للمملكة، ومساعيها للخروج من مستنقع الحرب اليمنية بأقل الخسائر الممكنة وبأكبر قدر من التحكم في ترتيبات ما بعد الحرب. فالسعودية اليوم تتجه إلى تسويات مباشرة مع حكومة صنعاء ، وتعيد ترتيب أوراقها في الجنوب والشرق عبر شبكة من القوى المحلية المتنافسة، ولم يعد الارتباط الرمزي بشخص هادي ضروريًّا في مرحلة تُدار فيها الملفات عبر مجالس قيادية وواجهات سياسية جديدة وقنوات تفاوض مغلقة بعيدًا عن الأضواء. في هذا الإطار، يصبح الرجل الذي منحها شرعية التدخل وأضفى على حربها غطاء “استعادة الدولة” جزءًا من الماضي الذي لا تراه الرياض مفيدًا في التسويق لرؤيتها الجديدة عن “الخروج المشرف” من النزاع، بقدر ما تراه عبئًا سرديًّا على رواية تريد أن تبدأ من نقطة مغايرة.
من زاوية أخرى، تضع جنازة هادي وطريقة التعامل السعودي معها حلفاء اليوم في اليمن أمام مرآة قاسية؛ إذ تبدو الرسالة ضمنية لمن يمسكون الآن بملف مايسمى “الشرعية” وعلى رأسهم رشاد العليمي: أن التحالفات القائمة على تبادل المصالح والالتزامات الأمنية قد تنتهي عند النقطة التي ترى فيها القوة الأكبر أن كلفة الحفاظ على الرمزية لم تعد مبررة. وهنا تتجاوز القصة حدود شخص واحد إلى نموذج متكرر في الإقليم؛ حيث تُستهلك شرعية الحليف المحلي لتبرير التدخلات والمشاريع ثم يُستغنى عنه بهدوء، عندما تفرض التحولات الميدانية والسياسية البحث عن صيغ جديدة للحضور والنفوذ. وهكذا، تصبح “الوفاءات” السياسية، مهما بدت مطلقة في زمنها، مجرد صفحات في الأرشيف يمكن طيّها دون أن يلتفت كثيرون إلى تفاصيلها، طالما أن عجلة المصالح الاستراتيجية تواصل الدوران وتفرض إيقاعها على الجميع.
على مستوى أعمق، تفتح وفاة هادي وطريقة التعامل مع إرثه السياسي الباب على نقاش أشمل حول معنى “الشرعية” في الحالة اليمنية برمتها، وحول كيف استُخدم هذا المفهوم خلال السنوات الماضية لتبرير الحرب، وتمرير الترتيبات الأمنية والاقتصادية، وإعادة رسم خرائط السلطة في الداخل. فالرجل الذي كان يُقدَّم بوصفه “الرئيس الشرعي المعترف به دوليًّا” تحوّل تدريجيًّا إلى عنوان لشرعية متآكلة، ثم إلى ورقة منزوعة الفاعلية استُبدلت بمجلس رئاسي يتقاسم فيه اللاعبون المحليون والإقليميون مقاعد التأثير، مع بقاء القرار السيادي موزعًا بين عواصم الخارج أكثر مما هو متجذر في مؤسسات الداخل. ومع رحيل صاحب تلك الشرعية، يبقى السؤال الأهم: هل ماتت معه الرواية التي رافقت عاصفة الحزم عن “إعادة الدولة”، أم أن هذه الرواية يعاد تدويرها الآن بأسماء جديدة وأدوات مختلفة لتبرير حضور خارجي يستند إلى منطق المصالح أكثر مما يستند إلى منطق المبادئ؟
في الداخل اليمني، قد تمنح وفاة هادي لبعض القوى السياسية فرصة لإعادة تقييم العقد الماضي وتجربتها الخاصة مع “الاستقواء بالخارج” كطريق مختصر للسلطة، وما يترتب على ذلك من فقدان تدريجي لأدوات القرار الوطني المستقل. فالمسار الذي بدأ بقبول دعم عسكري خارجي تحت عنوان حماية الشرعية، انتهى بافتقاد القدرة على التحكم في مسارات الحرب والسلام على حد سواء، وصولاً إلى لحظة يترك فيها الرئيس السابق وحيدًا في وداعه إلا من دائرة ضيقة من المسؤولين، فيما يغيب أولئك الذين شكلوا معه عنوان “التحالف” لعقد كامل. وهنا تتجلى “العبرة” التي ينبغي أن تُقرأ جيدًا من قبل النخب اليمنية: ليس كل ما يُقدَّم في لحظته كتحالف استراتيجي طويل الأمد يبقى كذلك عند نهاية الدور، ولا كل تنازل يُصنَّف اليوم “مصلحة مشتركة” سيُذكر غدًا إلا بوصفه محطة عابرة في سجل طويل من تبدّل الأولويات الإقليمية.
وهكذا، يغادر عبد ربه منصور هادي المشهد كما دخله تقريبًا: رجلًا بقي في الظل أغلب حياته السياسية، ثم وجد نفسه فجأة في قلب عاصفة داخلية وإقليمية حوّلته إلى عنوان للشرعية من دون أن يمتلك الأدوات الكاملة لممارستها، ورحل في منفى إجباري–اختياري لم تمنحه فيه عواصم القرار الإقليمي حتى ترف رمزية وداع يتناسب مع حجم الدور الذي لعبه لصالحها. وبين لحظة القسم في صنعاء ولحظة الدفن في الرياض، يختصر مسار هادي قصة جيل كامل من الساسة العرب الذين راهنوا على الخارج أكثر مما راهنوا على شعوبهم، ليكتشفوا – أو لتكتشف بلدانهم من بعدهم – أن الذاكرة الحقيقية تُبنى في الداخل، وأن صفحات الأرشيف التي تحفظها العواصم البعيدة قد تُطوى بصمت في أي وقت، تاركة السؤال مفتوحًا أمام من بقي في مقاعد السلطة: فهل من مدّكر؟
اكتشاف المزيد من مآلات ميديا
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.



















