فؤاد أبوراس – مآلات ميديا

من السهل على بعض الكتّاب أن يجلدوا القبيلة اليمنية حين تعجز مشاريعهم السياسية عن استدعائها إلى معاركهم الخاصة. ومن السهل أيضًا أن تُختصر حاشد وبكيل، ومعهما القبيلة اليمنية كلها، في لحظة غضب، أو في موقف بعض الوجاهات، أو في قراءة انتقائية مشحونة بمرارة فقدان النفوذ والمصالح.

والذي يقرأ المقال المسيء للقبيلة اليمنية يدرك أن القضية أعمق من اختلاف في الرأي حول دور القبيلة والدولة. إنها صرخة خيبة من أولئك الذين أرادوا للقبيلة أن تكون جزءًا من مشاريع الارتزاق التي تورطوا فيها، ثم صُدموا حين عجزوا عن جرّها إلى ذات المستنقع. أرادوها وقودًا لمعاركهم، وخزانًا بشريًا لمشاريعهم، وسلّمًا للعودة إلى امتيازاتهم القديمة، فلما وقفت القبيلة اليمنية في صف وطنها وكرامتها وعزتها، تحولت في خطابهم إلى هدف للتشويه والانتقاص.

ومن هنا يبدأ التفنيد الحقيقي. القبيلة اليمنية في أصلها بنية اجتماعية عريقة، وسند أهلي، وحاضنة قيمية، ومكوّن أصيل من مكونات اليمن. تحميلها فشل السياسيين، وفساد النخب، وانهيار المؤسسات، محاولة مكشوفة للهروب من المسؤولية وإلقاء الخيبة على المجتمع بدل مواجهة أسبابها الحقيقية.

والذين يهاجمون القبيلة اليوم يعرفون قبل غيرهم أن هذه القبيلة نفسها كانت الحامل الاجتماعي والسياسي والعسكري للدولة التي عاشوا في ظلها أكثر من ستين عامًا. على أكتاف رجالها قامت سلطات، وبأبنائها امتلأت المعسكرات، وبمواقفها ثبتت توازنات الحكم، وبصمتها أحيانًا مُنحت فرص طويلة لمن امتلكوا السلطة وفشلوا في بناء دولة مؤسسات راسخة.

ومن هذه المفارقة تنكشف ازدواجية الخطاب. حين كانت القبيلة تمنحهم الحشود، سموها عمقًا وطنيًا. وحين كانت تمنحهم الرجال، سموها رصيدًا للجمهورية. وحين كانت تمنحهم الولاءات، سموها حاضنة للدولة. وحين رفضت أن تتحول إلى أداة في مشاريع الارتزاق، صارت في خطابهم عاجزة وصاغرة ومتهمة بالتخلي عن الثوابت.

هذا التحول في اللغة يكشف خصومة مع مجتمع كامل لأنه أفشل رهانهم. لقد أرادوا القبيلة تابعة لمصالحهم، لا شريكة في وطنها. أرادوها بندقية مأجورة، لا كرامة راسخة. أرادوها أن تقاتل نيابة عنهم، وتدفع دماء أبنائها ثمناً لعودة امتيازاتهم، وحين عجزوا عن ذلك، بدأوا بمحاكمتها أخلاقيًا وسياسيًا.

والقبيلة اليمنية لم تفشل في صناعة الدولة. الفشل الحقيقي يتحمله من استثمروا القبيلة عقودًا طويلة لبناء نفوذهم، ثم تركوا الدولة بلا مؤسسات راسخة، والجيش بلا عقيدة وطنية جامعة، والإدارة بلا كفاءة، والمال العام بلا حراسة، والقرار السياسي بلا رؤية. وحين سقطت منظومتهم، عادوا يبحثون عن شماعة، فوجدوا القبيلة أمامهم.

وعند الحديث عن حاشد وبكيل، تتسع المغالطة أكثر. فهاتان ليستا مجرد اسمين يضعهما كاتب غاضب في عنوان استفزازي. إنهما امتداد اجتماعي وتاريخي واسع في بنية اليمن، داخلهما تنوع، وذاكرة، وكرامة، ومواقف متعددة. اختزالهما في موقف سياسي واحد ظلم للتاريخ وللواقع معًا.

ومن أبناء هذه البيئة القبلية خرج رجال دولة، وقادة جيش، ووجاهات اجتماعية، ومقاتلون، وإداريون، وسياسيون، وشخصيات ساهمت في تشكيل وجه اليمن لعقود طويلة. والدولة التي يتباكى عليها البعض اليوم قامت في جزء كبير من توازناتها على هذا الامتداد القبلي. لذلك يصبح الهجوم على القبيلة ضربًا من نكران الجميل السياسي، ومحاولة لطمس الدور الذي صنع لهم الحضور والنفوذ والمكانة.

ثم يأتي اتهام القبيلة بأنها سلمت واستسلمت، وهذه عبارة تحمل قدرًا كبيرًا من الظلم والإساءة. القبيلة اليمنية ليست بيانًا يصدره شيخ، ولا صورة لوجيه، ولا موقفًا عابرًا في مرحلة ملتبسة. القبيلة آلاف البيوت والأسر والرجال الذين حملوا أعباء الحرب والجوع والحصار والانقسام، ودفعوا من أرواحهم وأرزاقهم وكرامتهم أثمانًا باهظة، بينما كان كثير من أصحاب التنظير يكتبون من مسافات آمنة.

ومن الإنصاف التمييز بين المجتمع والواجهة، وبين الإنسان والمشيخة، وبين القبيلة كقيمة والقبيلة كاستخدام سياسي. خطأ الشيخ يخصه، وانحراف الوجيه يتحمله صاحبه، وموقف الفرد لا يختصر تاريخ قبيلة، ولا يحاكم مجتمعًا كاملًا. أما تحويل الأخطاء الجزئية إلى إدانة جماعية، فهو خطاب يفتقر إلى العدل والوعي والإنصاف.

وتبلغ المفارقة ذروتها حين يتحدث هؤلاء عن بناء الدولة وهم يبدأون مشروعهم بإهانة المجتمع الذي ستقوم عليه الدولة. فالدولة تحتاج إلى مؤسسات وجيش وأمن وقانون، وتحتاج قبل ذلك إلى مجتمع محترم يشعر أن كرامته مصونة داخل هذا المشروع. والجيش نفسه خرج من هذا المجتمع، ومن قبائله ومدنه وقراه. لذلك فإن ازدراء القبيلة ثم الحديث عن مؤسسة عسكرية وطنية يجمع بين التناقض وسوء الفهم.

القوات المسلحة القوية تستند إلى شعب يحترمها وتحترمه. والدولة الراسخة تنبع من علاقة صحية بين المجتمع والمؤسسة، لا من خطاب يطعن مكونات المجتمع ويستهين بأصوله وتاريخه وكرامته.

ومن يريد دولة حقيقية عليه أن يبدأ باحترام القبيلة اليمنية بوصفها كيانًا اجتماعيًا أصيلًا، لا بوصفها أداة سياسية عند الحاجة أو خصمًا عند الاختلاف. اليمن لا يقوم بإهانة حاشد وبكيل، ولا بالاستخفاف بقبائل اليمن ومناطقه ومكوناته. اليمن يقوم حين تتحول كل هذه المكونات إلى طاقة وطنية داخل مشروع جامع يحفظ الكرامة، ويصون القانون، ويمنع تحويل القبيلة إلى مخزن حشود بيد السياسي أو هدف في فم الكاتب.

والذين يهاجمون القبيلة اليوم يهاجمون الذاكرة التي صعدوا على أكتافها. يهاجمون الرجال الذين صنعوا لهم نفوذًا. يهاجمون المجتمع الذي منحهم القوة حين احتاجوا إليها. وعندما فشلوا في جر القبيلة إلى مشاريع الارتزاق، قرروا الانتقام منها بالكلمة، بعد أن عجزوا عن استدعائها بالبندقية.

نريد دولة مؤسسات وقانون، ونريد جيشًا وطنيًا قويًا، ونريد أن تخضع كل الولاءات لسقف الوطن. وهذه الغاية العظيمة تبدأ باحترام المجتمع، وصون كرامته، والاعتراف بدوره، لا بتجريحه وتحميله خطايا النخب الفاشلة.

القبيلة اليمنية ليست سرابًا. السراب الحقيقي أن يظن أصحاب المشاريع الخاسرة أن بإمكانهم بناء دولة وهم يطعنون المجتمع الذي ستقوم عليه الدولة.

ومن عجز عن جرّ القبيلة اليمنية إلى مشاريع الارتزاق، ثم انقلب عليها بالتشويه والانتقاص، فمشكلته أعمق من خلاف سياسي مع القبيلة؛ إنها مشكلة مع اليمن، ومع كرامته، ومع كل مكوّن رفض أن يكون تابعًا في سوق المصالح الرخيصة.


اكتشاف المزيد من مآلات ميديا

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.