فؤاد أبوراس – مآلات ميديا :

 في اللحظة التي لمس فيها عجلُ الهبوط أسفلتَ مدرج الحديدة الدافئ بالقرب من البحر الأحمر، كان مشهدٌ بعيد بالكاد ساعاتٍ زمنية يُكمل حلقاته الأخيرة: مدرج مطار صنعاء محترق، وأعمدة دخان تصعد من العاصمة في وضح النهار، وطائرة إيرانية تغيّر وجهتها في آخر لحظة لتهبط في ميناء يمني لم يكن أحدٌ يتوقع أن يكون مسرح هذه الدراما.

لم تكن «ماهان إير» تؤدي رحلة عادية؛ كانت تُكمل سيناريو بدأ قبل أكثر من أحد عشر عاماً حين حلّق أسلافها فوق ذات الأجواء فأُجبروا على العودة أدراجهم. عقبَ استشهاد المرشد الإيراني الأعلى السيد علي خامنئي، قرّرت صنعاء أن تُرسل وفداً رسمياً إلى طهران للمشاركة في مراسم التشييع. ولم يكن ذلك قراراً بروتوكولياً فقط، بل كان رسالةً موقّعة بعنوان واضح: أنصار الله جزءٌ من محورعقائدي يتجاوز حدود الجغرافيا.

 لكن كان: كيف يصل هذا الوفد إلى طهران، وكيف يعود؟ ولمن تعود سيادة الأجواء اليمنية المتنازع عليها في آخر المطاف؟ في فجر الثالث من يوليو 2026، انطلقت الإجابة من مطار طهران على شكل طائرة إيرباص من طراز A340، تحمل في جوفها أكثر من مائتي مسافر يمني بين مريض وعالق.

أقلعت «ماهان إير» بكل ما تحمله من ثقل الاتهامات وعقوبات واشنطن وعلاقتها المزعومة بالحرس الثوري، وشقّت أجواء المنطقة باتجاه صنعاء وكأنها تُعلن أن قرار هذه الرحلة لم يولد في غرفة شركة طيران، بل في غرفة حسابات جيوسياسية أعلى مستوىً وأثقل وزناً.

وما إن رصدت منصات تتبع الطيران الطائرةَ تقترب من الأجواء اليمنية، حتى دوّت أصوات التحرك في قواعد التحالف: طائرات حربية اندفعت لاعتراضها، في مشهد استعادت فيه ذاكرة المنطقة صورة 2015 حين انتهت آخر محاولة إيرانية مشابهة بالانسحاب والعودة.

هذه المرة اختلفت النتيجة. الطائرة هبطت. مكثت ثلاث ساعات وأربع دقائق على أرض صنعاء، أفرغت فيها حمولتها من المرضى والعائلات والأمل، وأقلعت في الاتجاه المعاكس حاملةً الوفد الرسمي إلى حيث يشيّع العالم مرشده.

في طهران، استُقبل الوفد ضمن استقبالات الوفود الرسمية، وتصافحت الأيدي أمام العدسات التي حرصت على ألّا تُفوّت هذا الحضور الرمزي لليمن في مأتم القائد. لكن العودة كانت مختلفة. عشرة أيام من التفاوض الصامت والمزاودة العلنية فصلت بين الذهاب والإياب، وفي كل يوم من تلك الأيام كانت الأسئلة تتكاثر: هل تعود الطائرة الإيرانية؟ هل يسمح مجلس العليمي المدعوم من السعودية بذلك؟ أم أن الوفد سيضطر إلى استئجار طائرة وطنية يمنية خضوعاً لإرادة مجلس العليمي؟ وفي الثاني عشر من يوليو، حسم الجانبان الجدل بالفعل لا بالكلام: وزارة دفاع مجلس العليمي أعلنت عن قرارات عسكرية تطال بنية مدنية- أن قواتها استهدفت مدرج مطار صنعاء الدولي بهدف وحيد: إسقاط مسار «ماهان إير» وإجبارها على العدول عن الهبوط.

 في تلك اللحظة التي انفجرت فيها قنابل على مدرج كان يوماً ما يستقبل الحجاج والمسافرين، دخلت الأزمة فصلاً لم يكن أحد مرتاحاً لاستعارته: البنية التحتية المدنية رهينةً في معركة السيادة الجوية. طائرة “ماهان” لم تنكسر، غيّرت وجهتها. التفّت غرباً نحو البحر الأحمر، وحطّت عجلاتها على أسفلت مطار الحديدة، ذلك المطار الذي كان دائماً عنواناً للحصار لا نقطة عبور للوفود الرسمية.

 كاميرات المستقبلين التقطت اللحظة فور الهبوط ونشرتها بكل تفاصيلها: مسافرون ينزلون درجات السلّم واحداً واحداً على مدرج لم يكن مُعدّاً لهذا الحشد، ووجوه تحمل خليطاً من الإرهاق و الانتصار . هنا يتوقف التحليل العسكري ويبدأ تحليل أعمق وأكثر إزعاجاً.

 ما الذي أثبته هذا المشهد في مجمله؟ ثلاثة أشياء لا يمكن لأي طرف إنكارها: أولها أن إيران أثبتت قدرتها على توجيه طائرة مدنية إلى قلب المجال الجوي اليمني المتنازع عليهو العودة في رحلة الذهاب، وهو ما كان مستحيلاً قبل سنوات.

 ثانيها أن السعودية اضطرت لاستخدام أعنف وسيلة ممكنة – وهي ضرب مطار صنعاء الدولي – للرد على ما اعتبرته استباحةً سيادية، وهو رد ذو ثمن مدني باهظ يدفعه المواطن اليمني أولاً.

وثالثها -وهو الأشد إيلاماً- أن وضعَ الحديدة مدرجاً بديلاً للوفود الرسمية كشف أن خارطة السلطة الجوية اليمنية باتت أكثر تشتتاً وأقل قابلية للإدارة مما تُوحي به المفاوضات وبيانات الأطراف.

خلف كل هذا، ثمة ما هو أبعد من اليمن. «ماهان إير» لا تُدار بقرار تجاري، وخامنئي لم يرحل دون أن تكون طهران قد وضعت تحولاتها الاستراتيجية على الطاولة. الرحلة في توقيتها وطريقة تنفيذها وصخبها الإعلامي المحسوب كانت رسالة متعددة العناوين: إلى الرياض بأن قواعد الاشتباك تتغير، وإلى واشنطن بأن العقوبات لا تُطفئ الطائرات دائماً، وإلى الشعب اليمني المحاصر بأن جسور الهواء يمكن شقّها رغم الحديد.

 أما المفارقة التي ستحتاج التاريخ لسنوات كي يهضمها فهي أن الطائرة التي أُريد إسقاطها هبطت، والمطار الذي أُريد صوناً هو الذي اشتعل. حين صمتت محركات «ماهان» فوق الحديدة وانتهت الرحلة التي لم تكن لتنتهي على هذا النحو في أي خطة أصلية، كانت ساعة واحدة من الأحداث قد أعادت كتابة فصل في اليمن ظنّ كثيرون أنه مجمّد لسنوات أخرى. الأجواء اليمنية لم تعد ما كانت عليه قبل الثالث من يوليو 2026، والسؤال الذي تطرحه تلك الطائرة وهي تتوارى عند الأفق لم يعد: “من يملك الأجواء؟” بل أصبح سؤالاً أكثر تعقيداً وأقل أماناً: “من يملك القدرة على تغيير قواعد اللعبة فجأة، دون استئذان، وفي أقل من ثلاث ساعات؟”


اكتشاف المزيد من مآلات ميديا

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.