مآلات ميديا – جنوب لبنان:
في ضربة نوعية جديدة تعيد رسم معادلات القوة على الجبهة الشمالية، تمكنت مسيّرة مفخخة تابعة للمقاومة الإسلامية من اختراق حصون النخبة في جيش الاحتلال، مستهدِفةً واحدة من أكثر آلياته تحصينًا، المدرعة “نميرا”، لتسقط قتيلًا في صفوف كتيبة الهندسة 601 التابعة للواء 401، وتحوّل أحد جنود العدو إلى جريح بإصابات بالغة انتهت ببتر أطرافه. هذا الاختراق المباشر لدرع وُصف طويلًا بأنه “الأكثر أمانًا” بالنسبة لجنود النخبة، يشكّل ضربة قاصمة لهيبة المنظومة البرية في جيش الكيان الصهيوني، ويفضح في الوقت نفسه حدود التكنولوجيا التي راهن عليها العدو لحماية قواته من سلاح المسيّرات الانقضاضية الذي بات اليوم جزءًا أصيلًا من ترسانة المقاومة في الجنوب اللبناني.

بلدة دبل، التي تحولت خلال الأشهر الأخيرة إلى عقدة ميدانية تؤرق اللواء 401، تثبت مرة أخرى أنها ليست مجرد نقطة على خط التماس، بل مساحة اختبار حيّ لتكتيكات المقاومة وقدرتها على التكيّف مع نمط انتشار قوات العدو وتحركاتها. فالحادث الذي استهدفت فيه المسيّرة المفخخة المدرعة “نميرا” داخل نطاق يُفترض أنه مشبع بالإجراءات الأمنية والتغطية الاستخبارية، يكشف عن مستوى متقدم من الرصد والتخطيط لدى المقاومة، قادر على التقاط ثغرات العدو واستثمارها بأعلى قدر من الدقة. وبينما تسعى قيادة الكيان إلى طمأنة جنودها بأن التحصينات كافية وأن التهديد تحت السيطرة، تأتي ضربة دبل لتؤكد العكس تمامًا: لا منطقة آمنة لجنود الاحتلال ما دامت سماء الجنوب مفتوحة لعيون وأجنحة المقاومة.

الأخطر في الرسائل التي يحملها هذا الهجوم ليس في عدد القتلى والجرحى فحسب، بل في الرمزية التي يحملها استهداف “نميرا” تحديدًا؛ فالآلية التي جرى تقديمها داخل الكيان باعتبارها نقلة نوعية في حماية الجنود من الصواريخ والعبوات والكمائن، تبدو الآن وقد تم اختراقها من أعلى، في نقطة ظن العدو أنها خارج معادلة التهديد. بهذا، لا تسقط فقط حصانة درع معدني، بل تهتز ثقة الجندي الصهيوني في المنظومة التي طالما قيل له إنها قادرة على صد أي هجوم. ومع كل مسيّرة تنقض على آلية أو تجمع، تتكرس في وعي جنود النخبة حقيقة أن التكنولوجيا التي يحملونها معهم إلى الميدان لم تعد ضمانة للعودة سالمين إلى بيوتهم.

هذا التحول النوعي في استخدام المسيّرات كمطرقة تضرب رأس النخبة الصهيونية في دبل، يعيد تعريف العلاقة بين التحصين والتهديد: فبينما راهنت قيادات العدو على أن زيادة سماكة الدروع وكثافة التحصينات ستُقلّص الخسائر وتمنح جنودها هامش حركة أكبر، أثبتت المقاومة أن المعادلة يمكن قلبها عبر نقل المعركة إلى مستوى ثالث، لا تحمي منه لا الدروع الجانبية ولا الألواح التفاعلية ولا الهندسة الإلكترونية للآليات. وهكذا، تصبح كل محاولة للعدو لتعزيز دفاعاته البرية فرصة جديدة للمقاومة لتطوير وسائل الاستهداف، وتعميق الفارق بين جندي يعتمد على “آلة” تحميه، ومقاوم يعتمد على عقيدة وإرادة وتكتيك مرن يطوّع الوسائل لخدمة الهدف.

من هذه الزاوية، لا يمكن النظر إلى ما جرى في دبل باعتباره حادثًا منعزلًا؛ فهو حلقة في سلسلة متصاعدة من الضربات التي جعلت من البلدة مصيدة مفتوحة لجنود النخبة في اللواء 401، الذين باتوا يتحركون تحت سقف من القلق والترقب، مدركين أن أي لحظة توقف أو تجمع أو اطمئنان موضعي قد تتحول إلى فرصة ذهبية لمسيّرة انقضاضية تنتظر إشارة الانطلاق. ومع كل جندي يسقط أو يُصاب إصابةً تبتر أطرافه، تتآكل قدرة القيادة الصهيونية على تسويق رواية السيطرة والتحكم، ويترسخ خطاب المقاومة القائل إن الجنوب ليس ساحة استعراض لقوة العدو، بل ميدان تآكل مستمر لهيبة وحداته المختارة.

في النهاية، ما يجري في دبل اليوم هو ترجمة عملية لفكرة بسيطة طالما ردّدتها المقاومة: لا حصانة لآليات العدو ولا أمان لجنوده ما داموا فوق أرض محتلة أو متوغّلين على تخومها. المدرعة التي تغنّى بها العدو كرمز لتفوقه التقني تحوّلت، بضربة مسيّرة واحدة، إلى شاهد حي على حدود هذا التفوق عندما يواجه عقيدة قتالية صلبة وبيئة حاضنة وتكتيكًا يتقن قراءة تفاصيل الميدان. وهكذا، يستمر الجنوب في أداء دوره التاريخي: مساحةً يختبر فيها الكيان الصهيوني حدود قوته، ومساحةً تثبت فيها المقاومة أن إرادة التحرر قادرة دائمًا على إيجاد الطريق لاختراق الحصون، مهما بدت منيعة على الورق.


اكتشاف المزيد من مآلات ميديا

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.