مآلات ميديا – تحقيقات محلية :
في عدن اليوم، لا تكمن خطورة ما سُمّي إعلامياً بـ«إبستين عدن» في فجاجة الجرائم نفسها بقدر ما تكمن في ما تكشفه هذه الجرائم عن شكل السلطة وحدود القانون وطبيعة الدولة في مدينة تحولت إلى ساحة تنازع نفوذ منذ 2015. فحين تصبح قصص أطفال مُستدرَجين ومُغتَصَبين ومُصوَّرين، ثم مدفونين في ملفات جنائية مشوهة أو في مقابر بلا عدالة، هي المدخل الأوضح لفهم انهيار البنية الحاكمة، فهذا يعني أن المدينة لم تعد تعاني فقط من «ضعف الدولة»، بل من شيء أعمق: حضور قوى مسلحة و«هياكل أمنية» بلا عقد اجتماعي ولا مساءلة، تستبدل مفهوم الدولة بمفهوم «دولة الظل» التي تتعايش فيها مراكز قوى متنافسة، وأجهزة أمنية متضادة الولاءات، ومنظومة عدالة مُفرَّغة من مضمونها.
منذ تحرير عدن من سيطرة الحوثيين في 2015، درجت تقارير دولية ومحلية على وصف المدينة بأنها مساحة تتجاور فيها «يمنان»: يمن الشرعية الرسمية ويمن القوى الجنوبية المسلحة، في مشهد يتقاطع فيه دعم التحالف الخارجي مع تنافس أمارات أمنية داخلية، إلى الحد الذي خلصت فيه مجموعة الأزمات الدولية بعد عمل ميداني إلى أن «لا شيء يدل على أن هناك دولة يمنية واحدة عندما تزور عدن». هذا التوصيف ليس جملة إنشائية؛ إنه مفتاح لفهم كيف يمكن لملف مثل «إبستين عدن» أن ينشأ ويتمدّد: فغياب مركز قرار واحد، وتعدد الأجهزة والتشكيلات العسكرية المتصارعة الولاءات، خلقا فراغاً مؤسسياً واسعاً، ملأته شبكات مصالح، وأمراء وحدات، وقيادات ميدانية تملك السلاح ولا تخضع فعلياً لرقابة قضائية أو سياسية.
في هذا الفراغ تحديداً، تتحول جرائم العنف الجنسي ضد الأطفال من حوادث فردية إلى «أداة اختبار» لمدى حقيقيّة الدولة في حياة الناس. ملف طفل المعلا، وما تلاه من تصفية الشاهد رأفت دنبع على يد قوة رسمية وفق السردية المتداولة، ليس مجرد مأساة إنسانية؛ إنه مؤشر على أن يد العنف صارت تمتد داخل مسار العدالة نفسها، فتزيل الشاهد بدل حمايته، وتحوّل استخدام القوة من حماية المجتمع إلى حماية المتهم. وعندما يقترن ذلك بمزاعم تهريب متهم رابع تحت غطاء الإعلان عن وفاته، وعدم وجود وثائق طبية أو قبر معروف، فإن الدلالة الأعمق هنا هي أن أدوات الدولة – من قوة عامة وسجلات رسمية – جرى توظيفها كأقنعة لتثبيت الإفلات من العقاب لا العكس.
يتكرر البناء نفسه في قضايا طفل البساتين محمد سعد البارودي، وقضية «الدكتور الرائد» في الممدارة، حيث تتقاطع ثلاثة عناصر: استغلال موقع وظيفي مرتبط بأمن أو طب عسكري، استدراج أطفال من أحياء فقيرة هشّة اجتماعياً، ثم استخدام التصوير والابتزاز لإطالة عمر الجريمة وحماية مرتكبيها عبر إسكات الأهالي. هنا، نحن أمام نمط يطابق تعريف «الجريمة الممنهجة» في القانون الجنائي الدولي: تكرار السلوك، وحماية مؤسسية، وإسكات منهجي للشهود، سواء بالترهيب أو القتل أو دفن الملفات في غرف مغلقة. حين يُفرج عن متهم بضغط من قيادي عسكري نافذ، ويُحتجز طفل ضحية في زنزانة قسم الشرطة بينما يسير جلاده حراً، فإن الرسالة التي يتلقاها المجتمع واضحة: القانون في عدن ليس سقفاً للجميع، بل أداة تُستخدم صعوداً وهبوطاً بحسب موقعك من شبكة النفوذ.
لفهم بنية غياب الدولة في عدن عبر هذا الملف، لا يكفي القول إن هناك «انفلاتاً أمنياً» عاماً؛ هذا التوصيف، رغم صحته الجزئية، يبقى سطحياً. ما تكشفه دراسة الوضع الأمني منذ 2015 أن المدينة لم تعش فراغاً أمنياً خالصاً، بل عاشت «تضخماً أمنياً بلا دولة»: تعدد تشكيلات، أحزمة أمنية، قوات دعم وإسناد، وحدات مدعومة من أطراف خارجية، أجهزة شرطة رسمية، وكل منها يرتبط بولاءات سياسية ومناطقية مختلفة، بما في ذلك التنافس بين الشرعية والمجلس الانتقالي الجنوبي، والتجاذب بين مراكز نفوذ مناطقية. هذا التعدد خلق بيئة تنافس على من يحتكر العنف الشرعي، لكن من دون بنية قانونية تُخضِع الجميع لتراتبية واحدة، فنتج عنه ما وصفته بعض التقارير بأنه «خروج المدينة على القانون معززة في ذلك بغياب مؤسسات حكومية فاعلة أو سلطة حاكمة».
في مثل هذا السياق، تصبح حماية الجناة – أو تعطيل ملاحقتهم – ليست شذوذاً بل امتداداً منطقياً لطريقة اشتغال السلطة. حين يكون مدير أمن، أو قيادي لواء، أو مسؤول في تشكيل مسلح، هو في الوقت نفسه أداة ضبط الأمن وأداة حماية لبعض مرؤوسيه من المحاسبة، فإننا أمام نموذج «الدولة المزدوجة»: واجهة قانونية تُقدَّم للخارج وللبيانات الرسمية، وشبكة نفوذ فعلية تعمل وفق قواعد غير مكتوبة قوامها الولاء والسلاح والعلاقة بالرعاة الخارجيين. في هذا النموذج، لا يصبح مستغرباً أن تكشف منظمات حقوقية عن مئات حالات العنف الجنسي ضد الأطفال في مناطق جنوبية، وأن تشير النسب إلى تورط عناصر مرتبطة بأطراف مسلحة أو متمتعة بحمايتها، من دون أن يقابل ذلك أثر حقيقي على مستوى تفكيك الشبكات أو ملاحقة المتورطين أمام القضاء.
وهنا تتضح القيمة التحليلية لملف «إبستين عدن»: ليس لأنه يحكي عن «جريمة مثيرة»، بل لأنه يقدّم عيّنة مكثّفة لكيفية عمل السلطة في مدينة منقسمة. فإذا كانت الدولة – بمفهومها النظري – هي من يحتكر العنف المشروع وفق قواعد عامة، فإن ما نراه في هذه القضايا هو العكس: من يحتكر العنف غير المشروع هو من يكتب القواعد في الميدان، حتى لو تعارضت مع القانون المكتوب. الفرق بين إبستين نيويورك وإبستين عدن ليس في مستوى الوحشية، بل في وجود مؤسسات قادرة – ولو متأخراً وبجزئية – على كشف الشبكة الأولى ومحاكمة بعض أطرافها، مقابل مؤسسات منهارة أو مسيطر عليها في الحالة الثانية، ما يجعل مسار العدالة معلقاً بين غرف تحقيق بلا أسنان وتقارير حقوقية تنتظر منصة دولية تسمعها.
من زاوية سوسيولوجية، يضرب هذا النمط قلب العقد الاجتماعي في عدن. فالأهالي الذين يرون أن الشكوى قد تجرّ عليهم تهديداً، أو أن كشف الجريمة قد يتحول إلى وصمة مضاعفة للضحية، أو أن الجاني محمي بسند مسلح لا تطاله يد القانون، يتعلمون عملياً أن الدولة ليست ملاذاً، بل خطر محتمل. وهكذا، تُدفَع الأسر إلى الانكفاء، ويُسحَب الأطفال من الفضاء العام، وتتراجع الثقة في المدرسة والشارع وقسم الشرطة، وتُستبدل «المواطنة» بانتماءات أشد ضيقاً: الحارة، العائلة، الجماعة المسلحة. هذه الحركة التراجعية هي بالضبط ما يسمح بتجذير شبكات الجريمة، لأن كل دائرة انكفاء تخلق جيباً من العزلة يسهل استغلاله، خصوصاً حين يقترن بالفقر والتهجير والحرب.
ولا يمكن عزل هذا كله عن الإطار الإقليمي والدولي الذي صنع «عدن ما بعد 2015». فالدعم العسكري الخارجي الذي صُمّم – نظرياً – لإعادة الاستقرار ومحاربة الإرهاب، رافقته – عملياً – عملية «خصخصة للأمن» عبر بناء وحدات محلية متعددة الولاءات، بعضها لعب أدواراً مهمة في مواجهة القاعدة وداعش، لكنّه في الوقت نفسه عمّق منطق التسلّح خارج القانون الواحد، وأتاح لقوى الأمر الواقع أن تتحول إلى صانعة قواعد اللعبة في الميدان. وبين خطاب رسمي يتحدث عن «استقرار أمني وتطبيع للحياة» وخطط تنموية لإعادة دور عدن الاقتصادي، وخطاب حقوقي وإعلامي يوثّق استمرار الاغتيالات والجريمة المنظمة والعنف ضد الفئات الأضعف، تتكشف مفارقة مركزية: هناك عدن في بيانات السلطة، وعدن أخرى في حياة الناس اليومية.
من هنا، فإن التعامل مع «إبستين عدن» كقضية أخلاقية أو كفضيحة جنائية فقط، يختزل المشكلة بشكل خطير. هذا الملف، بما فيه من وقائع وشهادات وأرقام، هو أداة اختبار صارخة لسؤال أعمق: أي دولة نناقش وجودها في عدن؟ هل هي الدولة التي تمثلها الحكومة المعترف بها دولياً نظرياً، أم هي «دولة الظل» التي تحكمها موازين السلاح والتمويل الخارجي ومراكز القوى المحلية؟ الإجابة، كما يلمسها المواطن البسيط، تتجسد في اللحظة التي يختار فيها بين أن يذهب إلى قسم الشرطة للإبلاغ عن جريمة بحق ابنه، أو أن يصمت خوفاً من أن يتحول بلاغه إلى تهديد جديد. عندما يصبح الصمت خياراً عقلانياً للأهالي، نكون عملياً قد خرجنا من منطق الدولة إلى منطق «النجاة الفردية في غابة مسلحة».
مع ذلك، لا يعني هذا أن المشهد مقفل تماماً. تدويل الملف عبر آليات الأمم المتحدة والمقررين الخاصين، وربط هذه الجرائم بتصنيف «العنف الجنسي في النزاعات المسلحة»، يمكن – إن أُحسن توظيفه – أن يكسر جزءاً من حلقة الإفلات المحلي من العقاب، خصوصاً إذا استُخدم لفتح نقاش أممي حول بنية الأجهزة الأمنية في عدن وعلاقتها بشبكات الجريمة المنظمة. لكن الرهان على الخارج وحده يبقى ناقصاً ما لم يترافق مع ضغط مجتمعي وإعلامي داخلي، يقوده صحفيون وحقوقيون وأكاديميون، لتحويل «إبستين عدن» من قصة تُروى على فيسبوك إلى قضية رأي عام تُجبِر أي سلطة – أياً كان لونها – على الاعتراف بأن حماية الأطفال ليست ملفاً هامشياً، بل خط تماس مباشر مع شرعيتها نفسها.
لهذا، فإن القيمة الحقيقية لهذا الملف، كأداة لتشريح بنية غياب الدولة في عدن، لا تكمن في عدد الضحايا الذين يسردهم، بل في الأسئلة السياسية التي يفرضها: من يحمي من؟ من يملك حق تعريف الجريمة؟ من يقرر ما إذا كانت هذه الحادثة «فردية» أم نمطاً ممنهجاً؟ ومن يملك – أخيراً – سلطة كسر حلقة الصمت المنظمة؟ ما لم تُطرح هذه الأسئلة في صلب النقاش حول مستقبل عدن، سيظل كل حديث عن «استقرار أمني» أو «تطبيع للحياة» بلا أساس، لأن مدينة يُغتصَب فيها الأطفال تحت ظلال البنادق، ويُقتَل فيها الشهود برصاص وحدات رسمية، ويُحبس فيها الضحايا خلف القضبان بينما يتنقل الجناة تحت حماية النفوذ، لا يمكن أن تُسمّى مدينة ذات دولة؛ بل مدينة تتعايش فيها دول عدة، ليست أيٌّ منها دولة مواطنيها.
اكتشاف المزيد من مآلات ميديا
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.



















