مآلات ميديا – مآلات محلية :
منذ أن تحوّل الملف اليمني إلى ساحة اشتباك مركّب تتقاطع فيها حسابات الرياض وطهران وواشنطن وعواصم الخليج، ظلّ مطار صنعاء والموانئ اليمنية أحد أكثر مفاصل النزاع حساسية، ليس من زاوية إنسانية فحسب، بل باعتبارها أوراق ضغط استراتيجية تُدار بعناية في غرف التفاوض المغلقة في مسقط والدوحة والرياض. في هذا السياق، تبرز المعلومات المتداولة عن طلب سعودي جديد إلى كل من سلطنة عمان وقطر، يكشف عن محاولة لإعادة صياغة معادلة الحركة الجوية والبحرية اليمنية مقابل تهدئة مدروسة لمسار العلاقة بين صنعاء وطهران، مع ربط كل ذلك بخارطة الطريق التي تبلورت خلال العامين الماضيين كإطار للحل المرحلي في اليمن.
وبحسب هذه المعطيات، يُفيد مصدر مطّلع بأن الرياض طلبت من مسقط تقديم عرض إلى صنعاء يقضي بإعادة فتح مطار صنعاء أمام عدد واسع من الوجهات الإقليمية والدولية، لكن بشرط تأجيل تشغيل الخط المباشر بين صنعاء وطهران إلى مرحلة لاحقة، يتم تحديدها بعد استكمال تنفيذ بنود خارطة الطريق المتفق عليها سابقاً بين الجانبين برعاية عمانية وأممية. بهذا المعنى، لا يبدو فتح المطار هنا بوصفه استحقاقاً إنسانياً متأخراً، بل كورقة تفاوض تُستخدم للحد من عمق الارتباط الجوي والسياسي بين صنعاء والعاصمة الإيرانية، في محاولة لتقليص البعد الرمزي والاستراتيجي لأي خط مباشر مع طهران، خاصة بعد الانفراج النسبي في العلاقات السعودية – الإيرانية منذ اتفاق بكين في 2023.
في موازاة هذا المسار، تشير المعلومات ذاتها إلى أن الرياض أوكلت إلى الدوحة مهمة مكمّلة، تقوم على إقناع طهران بممارسة ضغط محسوب على صنعاء لتخفيف حدّة التوتر مع السعودية، مقابل حزمة ضمانات تتعهد فيها الرياض بالمضي قدماً نحو رفع القيود عن الموانئ والمطارات اليمنية وتنفيذ خارطة الطريق، بما تتضمنه من مراحل لوقف إطلاق النار، وفتح المعابر، وصرف الرواتب، وترتيب العملية السياسية والمرحلة الانتقالية اللاحقة. استدعاء قطر هنا لا ينفصل عن موقعها التقليدي كوسيط مقبول لدى أطراف متشابكة، وعن شبكة علاقاتها مع إيران وفاعليتها في ملفات إقليمية معقّدة، ما يعكس رغبة سعودية في توسيع دائرة الضمانات الإقليمية وتشبيك أكثر من عاصمة في هندسة التسوية اليمنية.
خارطة الطريق التي تشكّل الإطار المرجعي لهذا العرض ليست مجرد وثيقة تقنية، بل هي مسار ثلاثي المراحل يسعى إلى تحويل النزاع اليمني من حالة حرب مفتوحة إلى عملية سياسية تحت إشراف الأمم المتحدة، تبدأ بوقف شامل للعمليات العسكرية براً وبحراً وجواً، ورفع القيود عن مطار صنعاء وميناء الحديدة، وصرف الرواتب وتبادل الأسرى، وتوحيد البنك المركزي، ثم تنتقل إلى مفاوضات سياسية شاملة، وصولاً إلى مناقشة شكل الدولة والقضية الجنوبية وإعادة الإعمار وتشكيل حكومة انتقالية توافقية. من هذه الزاوية، يبدو العرض السعودي المتعلق بمطار صنعاء أشبه بمحاولة لإعادة ترتيب أولويات التنفيذ، بحيث يُفتح المطار على نحو واسع، ولكن مع تجميد المسار الأكثر حساسية بالنسبة للرياض: الرحلات المباشرة مع طهران بوصفها امتداداً لعمق سياسي وأمني لا ترغب المملكة في تكريسه قبل تثبيت ضمانات كافية في ملفي الحدود والأمن البحري والجوّي.
قراءة هذا التحرك من منظور استراتيجي تكشف عن مجموعة دلالات متداخلة؛ فمن جهة، يشي توظيف ورقة مطار صنعاء بأن الرياض تدرك أن مسألة الحركة الجوية والبحرية باتت جزءاً من منظومة الردع التي راكمتها صنعاء خلال السنوات الماضية عبر استهدافات بحرية وهجمات بعيدة المدى على منشآت حيوية، ما جعل أي تخفيف للحصار أو القيود بمثابة اعتراف بوزن هذه المعادلة الجديدة أكثر من كونه استجابة لضغوط إنسانية فحسب. ومن جهة ثانية، فإن ربط فتح مسارات السفر المتعددة بفصلها عن خط طهران يعكس إصراراً سعودياً على إبقاء الخيط الإيراني تحت التحكم، خشية أن يتحوّل هذا الخط إلى ممرّ سياسي وأمني يمنح صنعاء هامش مناورة أعلى في علاقتها بمحور المقاومة ويفتح الباب أمام ترتيبات لوجستية معقّدة تتجاوز الطابع المدني الظاهر للرحلات المباشرة.
مهمة قطر في التواصل مع إيران لإقناعها بالضغط على صنعاء تحمل بدورها إشارات إلى أن التقارب السعودي – الإيراني، رغم هشاشته، بدأ يتحول إلى قناة عملية تُستخدم لتطويع ملفات إقليمية حساسة، وفي مقدمتها اليمن الذي ظلّ لعقد من الزمن أحد أبرز ساحات الاشتباك غير المباشر بين الطرفين. هنا تحاول الرياض أن تجعل من مسار الانفراج مع طهران وسيلة لتخفيف المخاطر على أمنها القومي، عبر حثّ الإيرانيين على توجيه أدواتهم في اليمن نحو تهدئة محسوبة، مقابل وعود سعودية بفتح الموانئ والمطارات وتسهيل مسار التسوية السياسية، بما ينعكس إيجاباً على صورة إيران كقوة إقليمية مسؤولة تسهم في ضبط التوتر، وليس كطرف يُنظر إليه حصراً من زاوية دعم الفاعلين المسلحين خارج الحدود.
على الضفة المقابلة، تبدو صنعاء اليوم في موقع تفاوضي مختلف جذرياً عمّا كانت عليه قبل سنوات؛ فهي لم تعد الطرف المستجدي لفتح مطار أو ميناء، بل فاعلاً راكم أوراق قوة ميدانية وبحرية وجوية جعلت مسألة فك الحصار جزءاً من معادلة الردع التي فرضتها عبر استهداف الممرات البحرية والمصالح الاقتصادية في البحر الأحمر وخليج عدن، على خلفية تصاعد الحرب في غزة وتداخل ساحات الاشتباك الإقليمي. هذه الخلفية تجعل أي عرض يشترط تأجيل خط صنعاء – طهران مقابل فتح وجهات أخرى عرضاً يُقرأ في صنعاء على أنه محاولة لتقييد أحد أهم رموز استقلال قرارها السياسي وتحالفاتها الإقليمية، وليس مجرد ترتيب فني لجداول الرحلات الجوية، الأمر الذي يرفع احتمالات رفضه أو إعادة صياغته بشروط جديدة أكثر تشدداً وانسجاماً مع موازين الردع التي كرّستها الحركة خلال السنوات الأخيرة.
فقدان الثقة في جدية الالتزامات السعودية يُعد عاملاً حاسماً في هذه المعادلة، إذ تحمل ذاكرة صنعاء سلسلة من الاتفاقات والوعود التي لم تُترجم إلى خطوات عملية متكاملة، سواء في ما يتعلق برفع القيود عن الموانئ والمطارات، أو بصرف الرواتب وتوحيد المؤسسات المالية، أو بملفات الأسرى والحدود. هذه الخبرة التفاوضية المتراكمة تجعل القيادة في صنعاء أقل استعداداً للتعامل مع أي عرض جديد ما لم يكن مصحوباً بضمانات تنفيذية واضحة، زمنياً ومؤسسياً ودولياً، وهو ما قد يدفعها إلى وضع اشتراطات إضافية تتجاوز نصوص خارطة الطريق ذاتها، مستندة إلى الحضور العسكري والبحري الذي أظهرته في الحرب الحالية على الممرات البحرية، وإلى واقع سياسي إقليمي باتت فيه أوراق الضغط أكثر توازناً بين محور الرياض – واشنطن ومحور طهران وحلفائها.
في ضوء ذلك، يمكن قراءة العرض السعودي – عبر عمان وقطر – كجزء من محاولة أوسع لإعادة هندسة شكل التسوية في اليمن بما يضمن للرياض مخرجاً أقل تكلفة من حرب طويلة، مع الحفاظ في الوقت نفسه على خطوط حمراء تتصل مباشرة بأمنها الوطني وحدودها الجنوبية وتوازن علاقتها مع إيران. غير أن واقع الميدان ومعادلات الردع الجديدة يجعل صنعاء أقرب إلى وضع شروط من موقع الندية لا التبعية، من قبيل ربط أي تأجيل لخط طهران بضمانات مكتوبة ومعلنة لرفع كامل القيود عن الموانئ والمطارات، وصرف الرواتب بلا انتقاص، وتحديد سقف زمني لخروج القوات الأجنبية من البلاد، مع إشراف دولي على التنفيذ ومراقبة أي خروقات محتملة، بحيث تتحول خارطة الطريق من ورقة تفاهم إلى عقد مُلزم متعدد الأطراف.
وفي المحصلة، يتجاوز هذا الحدث في طبيعته مجرد نقاش حول تسيير رحلات جوية بين صنعاء وطهران، ليكشف عن لحظة فارقة في مسار إدارة الصراع اليمني وتقاطعاته الإقليمية؛ لحظة تحاول فيها الرياض توظيف أدوات الانفراج مع إيران، وقدرات وساطة عُمانية وقطرية، لإعادة ضبط معادلة القوة مع صنعاء عبر حوافز مدروسة وقيود انتقائية، فيما تبدو صنعاء أقرب إلى اختبار مدى جدية هذه الوعود على أرضية موازين ردع جديدة فرضتها قسراً على الخصوم الإقليميين. وبين مطار مفتوح بلا خط مباشر إلى طهران، وخارطة طريق تحاول أن تشق طريقها وسط ضجيج الممرات البحرية والقواعد العسكرية والضغوط الاقتصادية، يقف اليمن اليوم على مفترق خيارات صعب، تُقرّر فيه تفاصيل الرحلات والمؤاني بقدر ما تُقرّره الحسابات الكبرى لتحوّلات الإقليم وأدوار القوى المتنافسة فيه.
اكتشاف المزيد من مآلات ميديا
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.



















