مآلات ميديا – جنوب لبنان:
في تطورٍ ميداني يؤكد تَحوُّلَ الجنوب اللبناني إلى جبهة استنزاف مفتوحة في وجه جيش الاحتلال، اضطرت الرقابة العسكرية لدى الكيان الصهيوني إلى الإقرار بمقتل الجندي الصهيوني نهوراي لايزر، البالغ من العمر تسعة عشر عامًا، إثر إصابةٍ مباشرةٍ ومحكمةٍ نفذتها مسيّرة مفخخة من طراز “أبابيل” تابعة للمقاومة الإسلامية في جنوب لبنان. هذا الاعتراف المتأخر لم يكن خيارًا طوعيًا بقدر ما كان نتيجة عجز المنظومة العسكرية والإعلامية للاحتلال عن إخفاء تداعيات الضربة، سواء على مستوى الميدان أو على مستوى الرأي العام داخل الكيان الذي بدأ يلمس أن جبهة الشمال لم تعد “مضبوطة” كما يدّعي قادته.
وما بين محاولة التعتيم الأولية والاضطرار إلى السماح بالنشر، تبرز حقيقة أعمق من مجرد حادثة مقتل جندي على خط الجبهة؛ إذ يكشف هذا الحدث أن سلاح المسيّرات لدى المقاومة لم يعد مجرد أداة إزعاج تكتيكي، بل تحول إلى عنصر مركزي في معادلة الردع وتوازن القوى، يفرض حضوره على كل حركة لجنود الاحتلال في محاور التوغّل وفي المواقع المتقدمة. فالمسيّرة المفخخة التي نجحت في الوصول إلى هدفها وإصابة الجندي إصابة قاتلة، فعلت ذلك في بيئة يدّعي العدو أنها مغطاة بطبقات متعددة من الرادارات والإنذار المبكر ووسائل الحرب الإلكترونية، ما يعني أن ما كان يُسوَّق كـ”قبة حديدية” فوق الجنود والآليات لم يعد قادراً على منع السماء من التحول إلى فضاء تهديد دائم.
هنا تتجلى رمزية “أبابيل” بما يتجاوز اسمها؛ فهي لا تسقط فقط قناع التحصين التقني والعسكري، بل تفضح هشاشة عقيدة الأمن الصهيونية التي بُنيت على فكرة السيطرة الجوية الكاملة والقدرة على رصد واستباق أي تهديد قبل وصوله إلى الجنود. فحين تتمكن مسيّرة للمقاومة من التحليق والوصول وتحديد الهدف وإصابته بدقة، فإن الرسالة لا تُقرأ فقط في غرفة عمليات المقاومة، بل تُترجم في نفوس الجنود الصهاينة على خطوط التماس الذين يدركون أن الموت قد يأتيهم من سماء لا يرونها ولا يملكون تجاهها وسيلة حماية حقيقية. وهنا تتحول التكنولوجيا البسيطة نسبياً، حين توضع في يد مقاومة تمتلك الإرادة والخبرة والبيئة الحاضنة، إلى سلاح استراتيجي يربك حسابات جيش يمتلك أحدث ما في ترسانة الغرب من إمكانات.
مقتل لايزر، في الحساب البارد للأرقام، قد يبدو للقيادة الصهيونية “حادثًا” يمكن استيعابه ضمن كلفة العمليات، لكن في الحساب المعنوي والاستراتيجي هو حلقة جديدة في سلسلة استنزاف متراكمة تدفع فيها منظومة الاحتلال فاتورة من دم جنودها كلما حاولت اختبار عمق الجنوب اللبناني بالنيران أو التوغّل. فكل جندي يسقط على يد المقاومة يكرّس قناعة راسخة بأن كل شبر في الجنوب يمكن أن يتحول إلى كمين، وكل محور تقدم إلى حقل قتل، وكل نقطة تمركز إلى مرمى مباشر لمسيّرة لا تُرى إلا في لحظة الانفجار. بهذا المعنى، لا يعود الجنوب مجرد جغرافيا تماس، بل يتحول إلى فضاء ردع حي، يراكم التجربة ويطوّر الوسائل ويعيد رسم سقف المخاطر أمام أي قيادة عسكرية تفكر في المغامرة.
ولأن السماء كانت، لعقود، ورقة القوة الأبرز لدى العدو، تأتي ضربات “أبابيل” لتعيد تعريف من يملك فعلاً مفاتيح السيطرة الجوية على الميدان. فالسماء التي اعتادت طائرات الاحتلال أن تجوبها بلا منازع، تنفّذ الاغتيالات وتضرب العمق وتراقب التحركات، باتت اليوم مجالاً يتقاسمه طرفان: عدو يملك التكنولوجيا الضخمة، ومقاومة تمتلك المرونة والذكاء العملاني والقدرة على تحويل الوسائل الخفيفة إلى تهديد ثقيل الكلفة. هذا التغيّر النوعي لا يقتصر على إسقاط مسيّرة هنا أو إصابة جندي هناك، بل يضرب في العمق عقيدة “تفوق سلاح الجو” التي ارتكز عليها الكيان لفرض شروطه على الجبهات المحيطة به. ومع كل ضربة ناجحة لمسيّرة مقاومة، يتآكل هذا التفوق في الوعي وفي الميدان معًا.
تحت هذا الضغط المتصاعد، تجد الرقابة العسكرية نفسها في موقف دفاعي متكرر: تحاول أولًا حجب الخبر أو التقليل من شأنه، ثم تضطر لاحقاً إلى الاعتراف أمام تسريبات الميدان وضغط الواقع، فينعكس ذلك ارتباكًا في خطاب القيادة وقلقًا في الشارع الصهيوني. هذا التردد بين الكتمان والاعتراف هو بحد ذاته مؤشر على نجاح المقاومة في نقل المعركة إلى عمق الوعي داخل الكيان، حيث لا يعود السؤال فقط عن عدد القتلى أو نوع السلاح المستخدم، بل عن مدى قدرة منظومة الاحتلال على حماية جنودها ومدنها في مواجهة سلاح يتطور ويستنسخ نفسه ويتجاوز الحواجز، ويُدار بعقلية تراكم الخبرة وتقرأ نقاط ضعف المنظومة المعادية بدقة. وبهذا، يصبح كل جندي يسقط بضربة مسيّرة رسالة مضاعفة: إلى الميدان بأن المقاومة قادرة على الفعل، وإلى الداخل الصهيوني بأن كلفة استمرار العدوان على لبنان ومحور المقاومة ترتفع يومًا بعد يوم.
ضمن هذا السياق المتكامل، يبدو واضحًا أن حادثة مقتل الجندي نهوراي لايزر ليست تفصيلاً عابرًا في ركام الأحداث اليومية، بل حلقة في مسار يرسّخ معادلة جديدة في الجنوب اللبناني: لا أمن لجنود الاحتلال تحت سماء باتت تشارك في إدارتها مسيّرات المقاومة، ولا حصانة لمنظومات ادّعت أنها قادرة على سد كل ثغرة. وهكذا، فإن “أبابيل” التي تحلّق في فضاء الجنوب لا تحصد فقط أهدافها المباشرة، بل تحصد معها أوهام التفوق المطلق، وتُعيد تعريف معنى الردع من منظور مقاومة ترى في كل اعتراف مُرغم من الرقابة العسكرية اعترافًا ضمنيًا بأن زمن الهيمنة من طرف واحد قد ولّى، وأن زمن الشراكة القسرية في السيطرة على السماء والميدان قد بدأ فعليًا.
اكتشاف المزيد من مآلات ميديا
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.



















