مآلات ميديا – مناسك الحج
منذ الساعات الأولى لصباح اليوم تفتّحت طرق مكة المكرمة على مدٍّ بشري أبيض، يشق طريقه في خشوع نحو مشعر منى، حيث يبدأ حجاج بيت الله الحرام أولى محطات رحلة الحج بيوم التروية، اليوم الثامن من ذي الحجة، في مشهد يختلط فيه انتظام الحركة بدفء الإيمان، لتتشكل لوحة روحانية فريدة تسبق الوقوف على صعيد عرفة بيوم كامل. هذا التوافد الكثيف يأتي في إطار سنّة نبوية راسخة، إذ يحرص الحجاج على النزول بمنى في هذا اليوم، استعداداً ليوم الحج الأكبر، ومواصلة لمناسك تستمد تفاصيلها من سيرة النبي محمد صلى الله عليه و اله وسلم في حجة الوداع.

ويُعد يوم التروية علامة فارقة في التقويم الروحي للحاج، فهو اليوم الذي ينتقل فيه من فضاء الإعداد والنية إلى فضاء الفعل والممارسة، تاركاً وراءه تفاصيل الحياة اليومية ومتعلقاتها، ومتجهاً بكليته إلى المناسك وما تحمله من معانٍ تعبدية عميقة. وسُمّي هذا اليوم بالتروية لارتواء الحجاج قديماً من ماء مكة، استعداداً لرحلة المشاعر حين كان الماء نادراً في منى وعرفة، كما تُروى روايات أخرى تربط التسمية بتردّد الخليل إبراهيم عليه السلام في رؤياه قبل أن يطمئن إلى أنها أمرٌ ربّاني. وهكذا يتقاطع البعد اللغوي بالتاريخي والديني، ليمنح اليوم معنى مزدوجاً: الارتواء الحسي بالماء، والارتواء المعنوي باليقين والإيمان.

في مشعر منى، ذلك الوادي الواقع شمال شرقي مكة بنحو سبعة كيلومترات، تتحول المساحة الصحراوية إلى مدينة خيام منظمة تمتد على مد البصر، تحتضن ملايين الحجاج ضمن منظومة خدمات وتنسيق دقيق بين مختلف الجهات المعنية في المملكة، لتأمين انسيابية الحركة وسلامة ضيوف الرحمن. وفي ظل درجات حرارة صيفية مرتفعة هذا العام، حيث تشير التقديرات الفلكية إلى أن موسم حج 1447هـ / 2026م يعود مجدداً إلى ذروة الصيف، تتكثف الاستعدادات اللوجستية والطبية والهندسية لتخفيف وطأة الطقس عبر التكييف، ورش الرذاذ المائي، وتوزيع المياه ووسائل النقل الترددي داخل المشاعر المقدسة

ومع استقرار الحجاج في منى، تبدأ تفاصيل اليوم العبادية في رسم ملامحها؛ إذ يؤدي الحجاج الصلوات الخمس قصراً دون جمع – باستثناء المغرب والفجر – اقتداءً بسنة النبي صلى الله عليه وسلم، فتتداخل أصوات الأذان والتكبير والتلبية في نسيج صوتي واحد يغلّف المكان بهالة من السكينة. وبين الأوقات المفروضة، ينهمك الحجاج في الدعاء وقراءة القرآن والتأمل في مغزى هذا الانتقال من مكة إلى منى، تمهيداً للوقوف بعرفة، بينما يبقى المبيت في منى في ليلة التاسع سنّة مؤكدة، من أدركها نال أجر الاقتداء، ومن تعذّر عليه فلا حرج عليه شرعاً.

هذا اليوم لا ينفصل عن زمن الحج فحسب، بل يمثّل الجسر العملي الذي يعبر عليه الحاج إلى محطة عرفة الحاسمة، ولذلك يُطلق عليه أيضاً يوم النقلة؛ إذ ينتقل فيه الحجاج بأجسادهم من مكة إلى منى، وبقلوبهم من طور الاستعداد إلى طور المواجهة الصادقة مع الذات أمام الله على صعيد عرفات. وفي صبيحة اليوم التاسع، ومع بزوغ الشمس على الجبال المحيطة بمنى، ينفر الحجاج منها إلى عرفات في مشهد لا يقلّ روعة عن مشهد التوافد الأول، لتبدأ مرحلة جديدة من الرحلة تتوّجها وقفة عرفة، ثم المبيت بمزدلفة، فالعودة إلى منى لرمي الجمرات وإكمال بقية المناسك في أيام التشريق.

وعلى امتداد هذا المسار المتدرج من مكة إلى منى ثم إلى عرفات، يتبدّى يوم التروية بوصفه مدخل الرحلة الكبرى التي يعيد فيها الحاج ترتيب أولوياته الروحية، ويختبر قدرته على الصبر والتنظيم والانضباط وسط حشود بشرية هائلة تختلف لغاتها وألوانها وتتوحّد غايتها. وبينما يودّع الحاج هذا اليوم في أحضان منى، يكون في الواقع قد خطا أول خطوة حقيقية على طريق التحرر من أعباء العام، مستعداً لأن يستقبل صباح عرفة بقلب أكثر صفاءً، وعزم أكثر ثباتاً، وروح أكثر قرباً من معنى الحج بوصفه رحلة تغيير قبل أن يكون مجرد طواف وسعي ووقوف.



اكتشاف المزيد من مآلات ميديا

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.