فؤاد أبوراس – مآلات ميديا :
تفقد الانضباط الوظيفي في أول أيام الدوام عقب الإجازات ممارسة إدارية راسخة في تقاليد الإدارة العامة، ارتبطت تاريخيًا بفكرة التأكد من عودة المرافق الخدمية إلى نشاطها المعتاد، وحماية انتظام العمل بعد فترات التوقف الرسمي. وهي، في أصلها، ممارسة مشروعة ومهمة، لأنها تؤكد حضور الدولة في مرافقها، وتحمي الوقت العام، وتمنع تعطّل مصالح المواطنين.

لكن الظروف الاستثنائية التي فرضها العدوان على بلدنا جعلت البيئة الإدارية والخدمية أكثر تعقيدًا مما كانت عليه في الظروف الاعتيادية. فلم تعد المشكلة الإدارية تقف عند حدود حضور الموظف أو غيابه، بل امتدت إلى أسئلة أوسع تتصل بجاهزية المرفق، وتوفر الإمكانات التشغيلية، وقدرة الموظف والإدارة معًا على تحويل الحضور إلى خدمة فعلية يلمسها المواطن.

لذلك فإن القيمة الحقيقية لتفقد الانضباط اليوم لا تكمن في التخلي عنه أو التقليل من أهميته، بل في تطويره. فالممارسة التي كانت تقيس الحضور بوصفه مؤشرًا كافيًا في ظروف عادية، ينبغي أن تتطور في الظروف الاستثنائية لتقيس الجاهزية والأثر: هل عادت الخدمة؟ هل تحركت المعاملات؟ هل وُجدت المعوقات؟ وهل خرجت الزيارة بمعالجة عملية تعزز حضور الدولة وتخدم المواطن؟

من هنا، لا يكون السؤال: هل تفقد الانضباط الوظيفي ممارسة صحيحة أم خاطئة؟ فهذا تبسيط لا يخدم النقاش. السؤال الأدق هو: هل ما زالت هذه الممارسة، بصيغتها التقليدية، قادرة على أداء وظيفتها الإدارية كاملة؟ وهل تقيس فعلًا انتظام الخدمة العامة؟ أم أنها تحتاج إلى تطوير يجعلها أكثر عدالة وفاعلية وارتباطًا بالنتيجة التي ينتظرها المواطن؟

ولا ينبغي أن يُفهم هذا النقاش بوصفه تقليلًا من أهمية الانضباط الوظيفي، أو تبريرًا للتراخي، أو انتقاصًا من حق السلطة المحلية في الرقابة والمتابعة. فالانضباط الوظيفي، قبل أن يكون قيمة إدارية، هو التزام تنظيمي وأخلاقي يرتبط بطبيعة الوظيفة العامة. والمرفق العام لا يجوز أن يتعطل، ومصالح المواطنين لا يجوز أن تبقى معلقة بعد كل إجازة، وغياب الموظف أو تراخيه دون مبرر يظل خللًا يستوجب المساءلة.

لكن الإدارة الرشيدة لا تكتفي بمعاقبة النتيجة، بل تبحث أيضًا في الأسباب التي أنتجتها. وهي لا تختار بين الحزم والإنصاف، بل تجمع بينهما. فتحاسب من يتعمد الغياب أو يعطل مصالح الناس، وفي الوقت ذاته تعالج الظروف التي تجعل الالتزام صعبًا على الموظف الجاد. بهذا المعنى، فإن تطوير ممارسة تفقد الانضباط لا يضعف الرقابة، بل يجعلها أكثر وعيًا وقدرة على تحقيق أثر حقيقي.

فالانضباط الوظيفي، في معناه الإداري العميق، لا يقتصر على توقيع الحضور أو وجود الموظف داخل المكتب. هذا جزء من الانضباط، لكنه ليس كل الانضباط. المعنى الأهم هو انتظام المؤسسة في أداء وظيفتها: هل عادت الخدمة؟ هل تحركت المعاملات؟ هل حضرت القيادات الإدارية؟ هل فُتحت النوافذ الخدمية؟ هل وجد المواطن من يستقبله وينجز معاملته؟ وهل يمتلك الموظف الأدوات التي تمكّنه من تحويل حضوره إلى عمل فعلي؟

قد يكون الموظف حاضرًا، لكن الخدمة غائبة. وقد يكون المكتب مفتوحًا، لكن القرار معطّل. وقد تُستأنف الدوامات رسميًا، بينما تظل المعاملات متراكمة، والملفات راكدة، والاحتياجات التشغيلية غير متوفرة. لذلك فإن قياس الانضباط من خلال الحضور وحده يقدّم صورة ناقصة عن واقع العمل الإداري، لأنه يقيس مظهرًا من مظاهر الانضباط ولا يقيس أثره الحقيقي.

إن هيبة الدولة لا تُختزل في مظاهر التفقد، على أهميتها، بل تتأكد حين يشعر المواطن أن المرفق العام يعمل بانتظام، وحين يدرك الموظف أن الالتزام واجب لا يسقط، وأن التقصير لا يمر بلا مساءلة، وفي الوقت نفسه أن الإدارة لا تتجاهل شروط العمل التي تجعل الانضباط ممكنًا ومنتجًا. فالدولة القوية ليست تلك التي تكتفي بإثبات حضورها في المكاتب، بل التي تجعل حضورها سببًا في تصحيح الخلل، ورفع كفاءة الخدمة، وبناء علاقة أكثر عدالة بين الموظف والمؤسسة والمواطن.

ولهذا، فإن الدعوة إلى إعادة تعريف تفقد الانضباط الوظيفي ليست خروجًا على هيبة الدولة، بل دفاع عن معناها الحقيقي. فالدولة لا تفقد هيبتها حين تسأل عن أسباب ضعف الانضباط، بل تستعيد هيبتها حين تحوّل السؤال إلى معالجة عادلة ونتيجة يلمسها المواطن. وهيبة الدولة لا تقوم على حضورها الرمزي في أول يوم دوام فقط، بل على قدرتها على تحويل هذا الحضور إلى انتظام مؤسسي وخدمة عامة يشعر بها الناس.

تكتسب ممارسة تفقد الانضباط قيمتها عندما تأتي ضمن بيئة إدارية متوازنة، تكون فيها الحقوق والواجبات واضحة، وأدوات العمل متاحة، والتكليف محددًا، والمسؤولية موزعة بعدالة بين الموظف والإدارة والقيادة. في مثل هذا السياق يصبح التفقد رسالة تنظيمية مهمة، تؤكد احترام الوقت العام، وتحمي مصالح المواطنين، وتمنع تراخي المؤسسات بعد الإجازات.

أما في الظروف الاستثنائية التي أوجدها العدوان وتداعياته، فإن الممارسة ذاتها تحتاج إلى توسيع زاوية النظر. فالموظف اليمني اليوم يعمل في بيئة ضاغطة، تتداخل فيها الأعباء المعيشية، وتحديات التشغيل، وارتفاع تكاليف التنقل، وندرة بعض الإمكانات، مع ضغط المواطنين واحتياجاتهم المتزايدة. وفي ظل هذا الواقع، يصبح التعامل مع الانضباط بوصفه مسألة حضور فقط قراءة قاصرة، لا تساعد على فهم المشكلة ولا على علاجها.

ولا ينبغي اختزال الانضباط في عامل واحد، كما لا ينبغي تجاهل أثر الظروف المحيطة به. فالانضباط ثمرة تفاعل بين الوازع المهني، والالتزام القانوني، وعدالة الإدارة، وتوفر الحد الأدنى من شروط العمل. هناك موظفون يواصلون أداء واجبهم رغم الظروف الصعبة، وهؤلاء يستحقون الإنصاف والتقدير. وهناك من يتساهل أو يقصر دون مبرر، وهؤلاء يجب أن يخضعوا للمساءلة. وبين الحالتين توجد مساحة واسعة من التعقيدات لا تُفهم بمجرد النظر إلى دفتر الحضور.

هذا لا يعفي الموظف من مسؤوليته، ولا يمنح الغياب أو الإهمال غطاءً إداريًا أو أخلاقيًا. فالموظف العام، مهما كانت الظروف، يبقى مرتبطًا بمصلحة الناس وبواجب الخدمة. غير أن العدالة في الإدارة تقتضي ألّا تُحمّل الحلقة الأضعف كامل عبء الاختلال، بينما تُترك الأسباب الأعمق خارج النقاش. فالموظف جزء من منظومة، وليس المنظومة كلها.

إذا كانت الإدارة تطالب الموظف بالانضباط، فمن حقها ذلك، لكن من واجبها في المقابل أن تسأل: هل وفّرنا لهذا الموظف الحد الأدنى الذي يجعله قادرًا على الحضور والإنتاج؟ هل توجد أدوات عمل؟ هل توجد بيئة تشغيلية؟ هل توجد قيادة تتابع وتعالج؟ هل توجد آلية لإنجاز المعاملات المتراكمة؟ وهل توجد رؤية لتحويل الحضور إلى خدمة يشعر بها المواطن؟

هنا بالضبط تبدأ المشكلة حين قد تتحول ممارسة تفقد الانضباط، في بعض الحالات، من أداة تشخيص إداري إلى إجراء موسمي يتكرر بعد كل إجازة باللغة ذاتها والمنطق ذاته والنتائج ذاتها. فإذا انتهت أي زيارة ميدانية دون تقرير يحدد مواطن الخلل، ودون خطة لمعالجة أسباب التعثر، ودون متابعة لما بعد الزيارة، فإن الممارسة تبقى حاضرة في الشكل، لكنها محدودة الأثر في المضمون.

الإشكال الحقيقي لا يكمن في قيام السلطة المحلية بتفقد المكاتب، فهذا دور مشروع ومطلوب. بل الإشكال في ضيق معيار القياس. فحين يصبح معيار الانضباط هو وجود الموظف فقط، نغفل أسئلة أكثر أهمية: هل الخدمة متاحة؟ هل المواطن يحصل على حقه؟ هل المعاملات تتحرك؟ هل المكتب يمتلك أدوات العمل؟ هل يعرف المسؤول أسباب التعثر؟ وهل هناك إجراء تصحيحي واضح بعد الزيارة؟

بهذا المعنى، فإن تطوير هذه الممارسة لا يعني إلغاءها، بل إعادتها إلى غايتها الأصلية. فالبديل الأمثل ليس أن نتوقف عن تفقد الانضباط، بل أن ننتقل من جولة تفقد حضور إلى جولة تقييم جاهزية خدمية. أي أن يتحول السؤال من: من حضر ومن غاب؟ إلى: ما قدرة هذا المرفق على تقديم الخدمة؟ ما العوائق التي تمنع الأداء؟ ما الاحتياجات العاجلة؟ ما حجم المعاملات المتراكمة؟ وما الإجراءات المطلوبة خلال أسبوع العمل الأول بعد الإجازة؟

وحين تُطرح الأسئلة بهذه الطريقة، تستعيد الزيارة قيمتها الإدارية. لأنها لا تعود مجرد مرور سريع على المكاتب، بل تصبح أداة لفهم واقع المؤسسة. ولا تعود محصورة في مراقبة الموظف، بل تتسع لمراقبة قدرة المرفق العام على أداء وظيفته. ولا تعود محملة برسالة ضمنية قاسية تجاه الموظف وحده، بل تصبح رسالة متوازنة تقول: الموظف مسؤول، والإدارة مسؤولة، والقيادة مسؤولة، والمواطن هو الغاية النهائية من كل ذلك.

وحتى لا يبقى هذا الطرح في دائرة التنظير، يمكن تحويل جولة التفقد إلى أداة عملية بسيطة، من خلال استمارة تقييم مختصرة لا تتجاوز صفحة واحدة، تتضمن ستة عناصر واضحة: نسبة الحضور في الوظائف الأساسية، الخدمات المتاحة فعليًا في يوم الزيارة، الخدمات المتوقفة وأسباب توقفها، حجم المعاملات المتراكمة، الاحتياجات التشغيلية العاجلة، والإجراء التصحيحي المطلوب خلال أسبوع. بهذا لا تحتاج الممارسة إلى موارد كبيرة، بل إلى تغيير طريقة النظر إليها.

كما يمكن أن ترتبط الزيارة بمؤشرات محددة، منها: نسبة حضور الكادر الأساسي لا الحضور العددي العام فقط، مستوى تشغيل الخدمة للمواطن، متوسط زمن إنجاز المعاملات المتراكمة، قدرة المكتب على استقبال المراجعين، وعدد المشكلات التي جرى حلها بعد الزيارة لا عدد المكاتب التي جرى المرور عليها. هذه المؤشرات تجعل التفقد أكثر عدالة وأكثر فاعلية؛ لأنه لا يكتفي بأن يسأل عن الموظف، بل يسأل عن المؤسسة كلها.

كما أن استعادة قيمة تفقد الانضباط تحتاج إلى الانتقال من منطق المساءلة الأحادية إلى منطق المسؤولية المشتركة. فالموظف يُسأل عن حضوره وأدائه، والإدارة تُسأل عن توفير أدوات العمل وتنظيمه، والقيادة تُسأل عن معالجة الاختلالات، والمرفق العام يُقاس بقدرته على خدمة المواطن. بهذا التوازن لا يشعر الموظف أن الزيارة تستهدفه، ولا يشعر المواطن أن الدولة تكتفي بالحضور الرمزي، ولا تتحول الجولة إلى واجب بروتوكولي ينتهي بانتهاء الخبر.

فالغاية من تفقد الانضباط ليست إثبات حضور الموظف فقط، بل حماية حق المواطن في خدمة لا تتوقف، ومعاملة لا تتعطل، ومرفق عام يستعيد نشاطه منذ اليوم الأول بعد الإجازة. وكلما اقتربت الزيارة من هذا الهدف، زادت قيمتها الإدارية. وكلما ابتعدت عنه، ضعفت جدواها، مهما كان حضورها الإعلامي أو الرسمي.

إن الانضباط الحقيقي لا يبدأ من دفتر الحضور وحده، بل يبدأ من انتظام المؤسسة في أداء وظيفتها. ولا قيمة لحضور لا ينتج خدمة، ولا أثر لمساءلة لا ترى ظروف العمل، ولا جدوى من جولة لا تتحول إلى تشخيص ومعالجة ومتابعة. لذلك فإن إعادة الاعتبار لتفقد الانضباط الوظيفي لا تكون بالتخلي عنه، ولا بتكراره كما هو، بل بإعادته إلى وظيفته الأصلية: حماية الخدمة العامة.

ومن المهم التأكيد أن هذا النقاش لا يستهدف الحكومة، ولا ينتقص من جهود السلطة المحلية، ولا يضعف فكرة الرقابة الإدارية. على العكس تمامًا، هو محاولة لتقوية هذه الممارسة حتى تصبح أكثر عدالة وواقعية وفاعلية. فالنقد الإداري الناضج لا يهدم الأداة، بل يطوّرها. ولا يكتفي بوصف الخلل، بل يبحث عن طريقة لاستعادة المعنى والجدوى.

المطلوب إذن ليس إلغاء تفقد الانضباط الوظيفي، بل تحريره من صورته التقليدية الضيقة. المطلوب أن نخرجه من كونه ممارسة راسخة تشكلت في سياق إداري سابق، إلى كونه أداة إدارية مناسبة لواقع استثنائي فرضته ظروف العدوان وتداعياته. واقع لا يكفي فيه أن نسأل: هل حضر الموظف؟ بل يجب أن نسأل أيضًا: هل حضرت الخدمة؟ هل حضرت الجاهزية؟ هل حضرت المسؤولية؟ وهل شعر المواطن أن المرفق العام عاد ليخدمه فعلًا؟

وحين يتحول تفقد الانضباط من سؤال عن وجود الموظف إلى سؤال عن قدرة المؤسسة على خدمة الناس، تستعيد هذه الممارسة قيمتها الحقيقية. عندها لا تكون مجرد صورة في أول يوم دوام، ولا خبرًا يتكرر بعد كل إجازة، بل تصبح مدخلًا لإصلاح إداري هادئ، ينصف الموظف، ويحترم المواطن، ويقوي حضور الدولة في مرافقها الخدمية.

فليست المشكلة في حضور الدولة لتفقد الانضباط، بل في أن يظل هذا الحضور محصورًا في المشهد دون أن يتحول إلى معالجة. وهيبة الدولة لا تضعف بتطوير أدوات الرقابة، بل تقوى حين يصبح حضورها في المرفق العام منتجًا للخدمة والعدالة والانضباط معًا.


اكتشاف المزيد من مآلات ميديا

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.