الشهاري الشرفي – مآلات ميديا :
يقول الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام: «أَعْظَمُ الْخِيَانَةِ خِيَانَةُ الْأُمَّةِ». وأعظم من الخيانة نفسها أن يخرج من يبررها، ويتدثر بالولاء ليحمي الاعوجاج، ويتخذ من توجيهات القيادة العامة غطاءً لتمرير معاناة المواطن، والتغطية على ما يمس قوته وماله ومصالحه اليومية.
لقد قرأنا ما سطّره الكاتب المستعار تحت اسم «لسان الشارع»، فوجدناه خطابًا مأزومًا لا ينطق بلسان الشارع بقدر ما ينطق بلسان المصالح. خطاب يهرب من جوهر القضية، وهي جودة الوقود ورداءته وآثاره على سيارات المواطنين ومولداتهم ومدخراتهم، ليصنع معركة وهمية عنوانها التخوين والمكايدة السياسية.
إننا حين نكتب عن وجع الناس، وعن شكاوى المواطنين من البترول المغشوش أو الرديء، لا ننطلق من أنين كرسي مفقود، كما يزعم أصحاب الظنون السيئة، بل ننطلق من أنين مواطن يشتري الوقود بأعلى الأسعار، ثم يدفع بعد ذلك كلفة الأعطال في الورش ومحطات الصيانة.
نكتب من منطلق الحفاظ على مكتسبات ثورة الحادي والعشرين من سبتمبر، التي قامت لرفع الظلم، وتصحيح الاختلالات، وتطهير المؤسسات، وتجسيد الأمانة في إدارة المال العام ومصالح الناس. ولم تقم الثورة لتبديل فاسد بفاسد، أو استبدال روتين قديم بابتزاز جديد، أو منح المقصرين حصانة باسم الشعارات.
أولًا: تفكيك المغالطة الكبرى.. أين يقف السيد القائد؟
إن محاولة الكاتب المستعار الاستشهاد بكلمات السيد القائد عبد الملك بدر الدين الحوثي، يحفظه الله، لوضع نقاد الفساد في خندق الأعداء والأبواق، ليست سوى تدليس فكري واضح، ومحاولة مكشوفة لمصادرة حق الناس في الشكوى والنقد والمطالبة بالإصلاح.
السيد القائد الذي نعرفه، وتعرفه جماهير واسعة من أبناء هذا البلد، هو أول من رفع لواء المحاسبة، وأول من شدد على ضرورة مواجهة الفساد، ولم يكن في يوم من الأيام غطاءً للمقصرين أو حمايةً للمتلاعبين بمصالح المواطنين.
فالقيادة التي تدعو إلى التغيير الجذري لا يمكن أن تكون معنية بإسكات صوت المواطن، ولا بتخوين من يطالب بالرقابة، ولا بتبرير ضخ وقود رديء يضر بمصالح الناس ويستنزف أموالهم. بل إن النقد الصادق، حين يكون قائمًا على همّ عام ومصلحة وطنية، يصبح عونًا للقيادة على كشف بؤر الخلل في سلاسل التوريد والرقابة والإدارة.
أما تحويل شعارات المسيرة إلى مظلة لحماية التقصير، أو استخدامها لإرهاب الأقلام الحرة، فهو إساءة مزدوجة: إساءة للمواطن الذي يتضرر، وإساءة للمشروع الذي يرفع شعار الإصلاح والنزاهة.
ثانيًا: نعم، معالجة الاختلالات تحتاج وقتًا.. لكن الفساد لا يحتاج حصانة
يزعم الكاتب أن معالجة الإرث الثقيل تحتاج إلى وقت، ونحن لا نخالفه في ذلك. نعم، بناء المؤسسات يحتاج وقتًا، وتصحيح تراكمات السنوات يحتاج نفسًا طويلًا، والإصلاح الحقيقي لا يتم بين ليلة وضحاها.
لكن فحص شحنة وقود، والتأكد من مطابقتها للمواصفات، ومنع دخول مادة رديئة أو مضرة إلى السوق، لا يحتاج سنوات. هذا ليس مشروعًا استراتيجيًا طويل الأمد، بل إجراء رقابي مباشر يتطلب ضميرًا يقظًا، ومؤسسة حاضرة، ومسؤولًا يدرك أن أي خلل في هذه المادة ينعكس فورًا على حياة الناس وأرزاقهم.
هناك فرق كبير بين أن نقول إن البناء يحتاج وقتًا، وبين أن نطلب من المواطن أن يصمت على الضرر اليومي بحجة أن الحكومة ما زالت في مرحلة التصحيح. وشتان بين النفس الطويل في الإصلاح، وبين غض الطرف عن مخالفة مشهودة يدفع كلفتها المواطن البسيط من ماله وقوته وراحة أسرته.
إن إعطاء الحكومة فرصة لا يعني إعطاء الفساد حصانة. والصبر على مسار البناء لا يعني الصمت على الغش والرداءة والتلاعب بمصالح الناس.
ثالثًا: من هم الأبواق الحقيقيون؟
الأبواق الحقيقيون ليسوا الذين ينقلون صرخة الناس، ولا الذين يطالبون بالشفافية، ولا الذين يدعون إلى رقابة صارمة على الوقود والسلع والخدمات. الأبواق الحقيقيون هم أولئك الذين يعيشون على فتات الخلل، ويسارعون إلى تلميع الأخطاء، وتصوير كل نقد نزيه على أنه مؤامرة خارجية.
حين نطالب بخروج الجهات المعنية لتوضيح أسباب شكاوى المواطنين من رداءة البنزين، فنحن نحمي الجبهة الداخلية من الشائعات، ونمنع تضخم الغضب، ونفتح باب الثقة بين المواطن والمؤسسة.
وحين نستشهد بعهد الإمام علي عليه السلام لمالك الأشتر في تفقد الأسواق ومنع الغش وحماية الناس من استغلال التجار والمتنفذين، فنحن لا نزايد على أحد، بل نؤصل للمسؤولية الإيمانية والأخلاقية التي يفترض أن تكون جوهر أي مشروع إصلاحي صادق.
أما حين يخرج من يريد إسكات الألسن وتخوين الأقلام، فإنه يخدم الفساد من حيث يدّعي أنه يخدم الوطن. لأن إسكات الشكوى لا يلغي المشكلة، بل يراكمها. وتخوين الناصح لا يحمي الدولة، بل يوسع الفجوة بينها وبين الناس.
خاتمة: سفينة الوطن تمضي بالحق لا بالتدليس
إن ثورة الحادي والعشرين من سبتمبر، بوعي قائدها وتضحيات شهدائها، أكبر من أن يختزلها مداحو المكاتب في مكاسب ضيقة، وأعظم من أن تتحول شعاراتها إلى غطاء لتبرير الإخفاق أو حماية المقصرين.
والتغيير الجذري، وحكومة البناء والتغيير، لن يكتب لهما النجاح إذا أُدير الظهر لشكاوى المواطنين، أو جرى الاستماع لأقلام الزور التي تبخّر العيوب وتجمّل الزلل، بدل أن تعين على كشفه وتصحيحه.
يا من تكتب باسم الشارع زورًا، وفر خطاب التخوين وثقافة الإقصاء. فالشارع اليمني الذي تتحدث باسمه لم يعد قاصرًا عن التمييز بين قلم مخلص يكشف الجرح ليعالجه الأطباء، وبين قلم مأجور يغطي الجرح حتى يتعفن الجسد.
إن سفينة الوطن لن تمضي إلى برّ النجاة بالمجاملة والتدليس، بل بالنزاهة، والمصارحة، والمحاسبة، واحترام وجع الناس. وسيُكشف النقاب عن كل من اتخذ الوظيفة مغنمًا، والمسؤولية وجاهة، والشعارات درعًا لحماية الخلل.
﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾.
اكتشاف المزيد من مآلات ميديا
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.



















