فؤاد أبوراس – مآلات ميديا :
لا يولد القرار السياسي أو الإداري من لحظة توقيع، ولا من مزاج حاكم، ولا من قناعة مسؤول يجلس منفردًا خلف مكتبه. القرار، في حقيقته، هو آخر حلقة في سلسلة طويلة؛ تبدأ بالمعلومة، وتمر بمن يصوغها، ومن يختار ما يظهر منها وما يختفي، ومن يضعها على طاولة الحاكم بالطريقة التي يريدها، ثم تنتهي بصورة قرار يظنه الناس صادرًا عن رأس السلطة وحده، بينما قد تكون عقول كثيرة قد اشتركت في صناعته من وراء الستار.
ولهذا فإن أخطر ما في الحكم ليس دائمًا القرار الظاهر، بل الطريق الذي سلكته المعلومة حتى وصلت إلى مركز القرار. فالمسؤول قد يريد العدل، لكنه لا يرى إلا ما يُعرض عليه. وقد ينوي الإصلاح، لكنه يبني تقديره على تقارير منقوصة أو منحازة. وقد يظن أنه يعالج خللًا، بينما هو يتحرك داخل صورة مصنوعة بعناية، رتبتها بطانة تعرف كيف تدير نظره قبل أن تدير قراره.
في الإدارة العامة، لا يُعد محيط المسؤول تفصيلًا جانبيًا. فالمستشار، والوزير، والكاتب، ومدير المكتب، وصاحب النفوذ القريب، ليسوا مجرد مساعدين في الهامش، بل هم جزء من بنية الحكم نفسها. أحيانًا يكون نفوذ هؤلاء أكبر من نفوذ صاحب المنصب المعلن؛ لأنهم لا يصدرون القرار بأسمائهم، لكنهم يملكون قدرة التأثير في مقدماته: ماذا يُقال؟ وماذا يُخفى؟ ومن يُقرَّب؟ ومن يُصوَّر على أنه خطر؟ ومن يُقدَّم على أنه رجل المرحلة؟
ومن هنا يبدأ الخطر الحقيقي. فالفساد لا يدخل الدولة دائمًا من أبواب الخزائن والعقود والصفقات، بل قد يدخلها من باب النصيحة. يدخل حين يتحول القريب من الحاكم إلى فلتر يحجب الحقيقة، وحين تصبح المعلومة أداة لا مرآة، وحين تُصاغ التقارير لا لتكشف الواقع، بل لتصنع واقعًا يناسب أصحاب المصالح.
عند هذه النقطة لا تعود الإدارة مسألة إجراءات ونماذج ولوائح فقط، بل تصبح مسألة أخلاق ومسؤولية. فالقرار الإداري قد يمس رزق الناس، وكرامتهم، وأمنهم، وحقوقهم، وفرصهم في الحياة. ومن يتعامل مع هذه المساحة بعقل بارد لا يرى الناس إلا أرقامًا، أو بعقل مصلحي لا يرى الدولة إلا فرصة، لا يمكن أن يكون أمينًا على قرار عام مهما امتلك من خبرة ومهارة.
فالخبرة وحدها لا تكفي. بل قد تكون الخبرة، إذا انفصلت عن الضمير، أشد خطرًا من الجهل. الجاهل قد يخطئ لأنه لا يعرف، أما الخبير الفاسد فيعرف الطريق إلى الخطأ، ويعرف كيف يزينه، وكيف يمنحه لغة قانونية، وكيف يلبسه ثوب الضرورة والمصلحة. ومن هنا يصبح السؤال عن أخلاق الرجال القريبين من الحكم سؤالًا إداريًا قبل أن يكون سؤالًا وعظيًا.
وأخطر ما يمكن أن تقع فيه أي تجربة إصلاحية أن تبدأ عهدًا جديدًا بأدوات عاشت على منطق العهد القديم. فهناك أشخاص لا يحملون معهم مجرد خبرة وظيفية، بل يحملون ذاكرة كاملة من أساليب الالتفاف: كيف تُكتب المذكرات المضللة، كيف يُحاصر الصوت الصادق، كيف تُصنع الولاءات، كيف تُدار المخاوف، كيف يُقنع الحاكم أن الظلم حزم، وأن الإقصاء ضرورة، وأن بقاء الفاسدين ضمان للاستقرار.
ليست المشكلة في كل من عمل سابقًا، ولا في كل من جاء من مرحلة ماضية. فهذا تبسيط مخل. المشكلة فيمن كان جزءًا من آلة الظلم نفسها؛ فيمن لم يكن موظفًا داخل نظام فاسد فقط، بل كان خادمًا لفساده، شريكًا في آثامه، عارفًا بأبوابه الخلفية، قادرًا على إعادة تشغيلها متى وجد فرصة جديدة.
مثل هؤلاء لا يدخلون إلى الحكم الجديد كأفراد محايدين. يدخلون ومعهم شبكاتهم، وولاءاتهم، وحساباتهم القديمة، وطريقة نظرهم إلى الناس والدولة. قد يغيرون اللغة، وقد يبدلون الشعار، وقد يلبسون خطاب الإصلاح، لكنهم في العمق يميلون إلى إعادة إنتاج البيئة التي صنعتهم؛ لأن الإنسان الذي تمرّس على خدمة الظلم لا يتحول بسهولة إلى حارس للعدل.
ولهذا تفشل بعض المشاريع لا لأن فكرتها ضعيفة، ولا لأن الناس رفضوها، بل لأنها وُضعت في أيدي من لا يؤمنون بها. يبدأ المشروع باسم الإصلاح، ثم تلتف حوله العقول القديمة، فتؤجل ما ينبغي أن يُنجز، وتشوه من ينبغي أن يُسمع، وتفتح الأبواب لمن ينبغي أن يُحاسب، وتغلقها في وجه من يحملون صدقًا لا يناسب شبكات النفوذ.
إن البطانة الفاسدة لا تحتاج إلى إعلان الحرب على الإصلاح. يكفيها أن تعيد ترتيب الأولويات. يكفيها أن تجعل القرار العادل مكلفًا، والقرار الخاطئ مريحًا. يكفيها أن تخيف الحاكم من الصادقين، وأن تطمئنه إلى المراوغين. وهنا يتحول الخلل من خطأ إداري عابر إلى مرض داخل مركز الحكم نفسه.
ومن هنا تبدو سلامة الدائرة القريبة من الحاكم شرطًا أوليًا لسلامة الحكم كله. فمن أراد أن يحكم بالعدل لا يكفي أن يعلن ذلك، بل عليه أن يسأل: من الذين يصنعون له صورته عن الواقع؟ من الذين يدخلون عليه قبل الناس؟ من الذين يختارون له أسماء الرجال؟ من الذين يشرحون له الأزمات؟ ومن الذين يهمسون في أذنه حين يكون القرار على وشك أن يولد؟
عند هذه النقطة يلتقي التحليل الإداري بالبعد القيمي. فالحكم ليس آلة ميكانيكية، بل شبكة بشرية؛ وإذا فسدت القلوب القريبة من القرار، فسدت القنوات التي يمر منها القرار. ولا يمكن أن تكون الدولة عادلة إذا كان عقلها التنفيذي محكومًا بمنطق الظالمين، ولا يمكن أن يُحمى مستقبلها بمن تعوّدوا على حماية أخطاء الماضي.
لذلك لا يكون إبعاد أعوان الظلم من موقع البطانة ترفًا سياسيًا، ولا موقفًا انتقاميًا، بل ضرورة لحماية الدولة من أن تُختطف من الداخل. فالخطر الأكبر ليس أن يعارض هؤلاء مشروع العدل من خارجه، بل أن يدخلوا إليه من داخله، فيتكلموا بلغته، ويستخدموا شعاراته، ثم يفرغوه من روحه شيئًا فشيئًا.
ومن هذا المدخل نفهم عمق التحذير الذي ورد في عهد الإمام علي عليه السلام لمالك الأشتر رضي الله عنه. لم يكن التحذير موعظة عامة عن صحبة الصالحين وتجنب الفاسدين فحسب، بل كان تشخيصًا سياسيًا وإداريًا بالغ الدقة: من يريد إقامة العدل لا يسلّم مفاتيح قراره لمن تمرسوا على خدمة الظلم؛ لأنهم لا يحملون مجرد ماضٍ سيئ، بل يحملون قابلية إعادة إنتاجه.
ولهذا قال الإمام علي عليه السلام في عهده لمالك الأشتر رضي الله عنه:
«إن شرَّ وزرائك من كان للأشرار قبلك وزيرًا، ومن شركهم في الآثام، فلا يكوننَّ لك بطانة، فإنهم أعوان الأثمة وإخوان الظلمة».
هنا تظهر ضرورة القول لا جماله فقط. فالإمام عليه السلام لا يطلب من الحاكم أن ينتبه إلى خصومه البعيدين، بل إلى أقرب الناس إليه؛ لأن الخطر حين يأتي من الخارج يُرى، أما حين يجلس داخل الدائرة القريبة فإنه يلبس ثوب النصيحة، ويتكلم باسم المصلحة، ثم يعيد تشكيل الحكم على صورته القديمة.
ومن أراد أن يبني عدلًا حقيقيًا، فعليه أن يبدأ من هناك: من الحلقة الصغيرة التي تصنع القرار الكبير.
اكتشاف المزيد من مآلات ميديا
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.



















