الشهاري الشرفي – مآلات ميديا:
لم نكن يوماً هواة مغامرة، ولا باحثين عن جاه أو منصب حين تداعينا إلى الساحات وبذلنا الأرواح رخيصة؛ بل انطلقنا من وجع نظام ديمقراطي مشوه، كانت فيه الانتخابات مسرحيات هزلية تُفصّل مقاساتها بدقة لتكريس نفوذ المشايخ والوجوه الفاسدة ذاتها. وحين ضاق الخناق، رأينا في ثورة الشباب مخرجاً، فكنا من مشعلي جذوتها، قبل أن تطير بها أحزاب اللقاء المشترك وفي مقدمتها “الإصلاح”، الذين تقاسموا الكعكة مع الفساد نفسه وصادروا أحلامنا. من رحم ذلك الخذلان، ولد فينا أمل جديد، ورأينا في مسيرة “أنصار الله” البلسم النقي لثورتنا الشعبية الخالصة التي ترفض الوصاية والتبعية. ذبنا في هذا الكيان، وبذلنا المال والدم، وتنشقنا عبير الحرية في ظهيرة الحادي والعشرين من سبتمبر المجيد عام 2014. انطلقنا بنوايا طاهرة، وأفهمنا الجميع أننا لم نأتِ لنقصي أحداً بل لنصلح ما فسد، تقبل الناس منا ذلك، وتحركنا لسنوات دون إمكانيات، وكانت “صرفتنا” ونفقاتنا تخرج من بيوتنا الشحيحة، نطبب الجراح ونكافح بصبر لا تلينه الجبال، وكل أملنا بناء وطن يتسع للجميع ويقدس الثوابت. لكن، وحين بدأت الأمور تنفرج وتلوح بعض الإمكانيات، استيقظ الداء القديم في نفوس بعض النافذين؛ عقلية “الفيد” واقتناص المغانم بعد أن دفعنا نحن المغرم. سارعوا بالدفع بإخوانهم وأقاربهم وذوي خاصتهم ليحلوا محل الثوار الصادقين الذين لا قريب لهم يشفع ولا صاحب ينفع، وكل ذلك تحت لافتات براقة تدعي “إصلاح الوضع وتفعيل التحشيد”، ورُفعت التقارير المضللة لشرعنة هذا الإقصاء، والنتيجة المريرة: لا التحشيد استقام، ولا التغيير الإيجابي تحقق. هنا ظهر الداء العضال، وتمثل في تسلل الانتهازية والمحسوبية إلى مفاصل القرار، وهو المسلك الذي حذر منه القرآن الكريم في وصفه للأموال والمناصب العامة حين تتحول إلى حكر على فئة دون أخرى، حيث يقول الله تعالى في سورة الحشر: (كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ)، فالمنصب العام حق للأكفأ وليس إقطاعية عائلية تُورث. وللأسف، تكرر مشهد يوم “أُحد” التاريخي؛ فبينما كان الشرفاء في متارسهم يذودون عن الحمى، تسلل “رماة الوظائف والمناصب” ليحوزوا الغنائم، فكشفوا الظهر الإداري والمالي للدولة. وتحول الثائر الصادق والموظف البسيط إلى هدف للتهميش، وبدأ مسلسل الخصم من المرتب الشحيح من نصفه إلى ربعه، حتى انتهى المطاف بتصنيف آلاف الشرفاء في “الفئة ج”، وتحويلهم إلى مواطنين من الدرجة الرابعة في وطنهم الذي أكلت أصقاعه من سنوات أعمارهم. وفي هذا استنساخ بائس لعقلية الجاهلية التي ذمها القرآن الكريم في سورة الشعراء حين قال المستكبرون لنبيهم: (أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ)، فنحن اليوم نُقاس بمدى قربنا من النافذ، لا بصدقنا وبذلنا وطهارتنا. إن وصفة الدواء لاستنقاذ تضحياتنا وإعادة القطار إلى مساره الصحيح لا تحتمل المواربة، وتكمن أولاً في اعتماد معيار الكفاءة والنزاهة كما جاء في محكم التنزيل بسورة القصص: (إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ)، بعيداً عن دفاتر الوساطات والقرب من مراكز النفوذ الجديدة. وثانياً، في رد الاعتبار للمقصيين والمهمشين وإلغاء التصنيفات الجائرة، فصافي الحقوق والمعيشة واجب أخلاقي وديني. وثالثاً، في تفعيل الرقابة الصارمة ومحاسبة الرؤوس الكبيرة التي تعبث بالوظيفة العامة، وليس معاقبة الموظف البسيط بقطع قوته وقوت عياله، فالسُنّة الإلهية ثابتة بأن الجبهة الداخلية لا تتحصن إلا بالعدل والإنصاف. إننا إذ نكتب هذا الوجع، لا نكتبه تراجعاً ولا تخلياً، بل غيره وحرصاً على مشروع بذلنا فيه أقدس ما نملك، تذكيراً بقول الله تعالى في سورة الأنفال: (وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً). إن الوطن الذي حلمنا به لا يمكن أن يضيق اليوم بأبنائه الصادقين لصالح فئة تبحث عن الفيد والمغنم، فلن نسمح للانتهازية أن تسرق منا ملامح الحادي والعشرين من سبتمبر المجيد، فالعدل أساس الملك، والإنصاف هو وقود الاستمرار.


اكتشاف المزيد من مآلات ميديا

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.