مآلات ميديا – متابعات :
في صنعاء، أدت ضجة الرأي العام حول جريمة تعذيب وقتل الشاب عبدالله الأغبري في أحد محلات بيع الهواتف إلى تحرك قضائي سريع انتهى بإدانة خمسة متهمين والحكم عليهم بالإعدام في فترة زمنية وُصفت بأنها قياسية قياساً بطبيعة القضاء في مناطق سيطرة الحوثيين. حينها بدا المشهد، رغم كل المآخذ على المنظومة، وكأن السلطة القضائية قرأت جيداً حجم الصدمة التي أحدثها الفيديو المسرب لتعذيب الأغبري، فسعت إلى امتصاص الغضب الشعبي عبر إجراءات تحقيق ومحاكمة سريعة نسبياً، وإصدار أحكام قصاص أعادت شيئاً من الشعور – ولو شكلياً – بأن العدالة يمكن أن تتحرك تحت ضغط الشارع.

على الضفة الأخرى، وفي عدن هذه المرة، تتشكل ملامح مشهد أكثر قتامة؛ فالقضية التي تفجرت بفعل نشر فيديو يوثق اعتداءً جنسياً على طفل – منسوب إلى شخص يُدعى الجحافي – لا تقتصر على واقعة اغتصاب منفردة، بل يجري الحديث عن نمط أوسع من اغتصاب أطفال وابتزازهم ضمن شبكة استغلال منظمة. الفيديو الذي بثّه الناشط عادل الحسني على صفحته، وأثار جدلاً واسعاً مع تأكيد متابعين أن ملايين شاهدوه خلال وقت وجيز، أعاد طرح سؤال العدالة، لكن هذه المرة في مدينة يفترض أنها «العاصمة المؤقتة» وتحت سلطة تشكيلات أمنية وعسكرية تحظى بدعم سياسي إقليمي.

في الساعات والأيام التي تلت انتشار الفيديو، ظل المشاهد وهو يتصفح الأخبار ينتظر بياناً من أمن عدن، توضيحاً رسمياً، أو حتى إشارة إلى فتح تحقيق جدي، لكن الصمت كان سيد الموقف؛ فلا تصريحات واضحة، ولا مؤتمرات صحفية، ولا إحالات شفافة إلى القضاء تعطي الرأي العام إحساساً بأن الدولة حاضرة في مواجهة جريمة بهذا الحجم. هذا الفراغ الإعلامي والمؤسسي زاد من حدة الشعور بأن ثمة فجوة عميقة بين مستوى الفزع الأخلاقي الذي أحدثه الفيديو، وبين مستوى الاستجابة الرسمية التي بدت وكأنها تتعامل مع الحدث كملف محرج ينبغي احتواؤه بعيداً عن الضوء.

تكتمل ملامح ما يصفه كثيرون بـ«الجريمة المنظمة» حين يظهر أن المتهم الجحافي لم يكن اسماً مجهولاً لدى الأجهزة الأمنية؛ فبحسب شهادات صحفية، تم القبض عليه في وقت سابق على خلفية اتهامات مشابهة، قبل أن يُفرج عنه بضغوط شبكة نفوذ تقف خلفه وتوفر له مظلة حماية تحول دون مثوله أمام العدالة. هنا لا يعود السؤال محصوراً في فعل الاغتصاب بقدر ما يتجه إلى قرار الإفراج عنه: من أمر بإطلاق سراحه؟ بأي مبرر قانوني؟ وبأي مسؤولية أخلاقية وسياسية تُعاد حركة شخص متهم بهذا النوع من الجرائم إلى الشارع ليواصل – وفق الاتهامات – استهداف الأطفال؟

من زاوية تحليلية، يشكل إطلاق سراح متهم بهذه الخطورة جريمة ثانية لا تقل فداحة عن الفعل الأصلي، بل قد تتجاوزه؛ لأن هذه المرة الفعل صادر – كما يشير الصحفي مصطفى راجح – عن مؤسسة أمنية يُفترض بها أن تكون خط الدفاع الأول عن المجتمع، لا أن تتحول إلى مظلة حماية لشبكات الجريمة. حين تفرج جهة أمنية عن شخص يواجه اتهامات باغتصاب أطفال وابتزازهم، فإنها لا ترتكب مجرد خطأ إداري، بل تمنح عملياً رسالة مضادة لمفهوم الردع، وتقول ضمنياً إن النفوذ قادر على تعطيل العدالة، وإن حياة الأطفال أقل وزناً من ثقل الشبكات التي تحمي الجناة.

تأخر اتخاذ أي إجراءات حاسمة أمام واقعة بهذه البشاعة يفتح الباب أمام قراءة أعمق أخطر من مجرد «تقصير» أو «سوء تقدير»؛ إنه يوحي بأن الجريمة ليست فعلاً فردياً شاذاً، بل جزء من بنية أوسع لشبكة منظمة تمتد خيوطها إلى داخل مفاصل النفوذ السياسي والأمني والعسكري. في هذا التصور، ليس الجحافي سوى حلقة في سلسلة أكبر؛ شخص يجسد على السطح ما تخفيه طبقات من العلاقات والمصالح التي تتيح لمثل هذه الجرائم أن تُرتكب ثم تُحاط بجدار من الحماية والتواطؤ والصمت.

المقارنة بين صنعاء وعدن في هذا السياق لا تأتي من باب تبرئة طرف وإدانة آخر، بل من باب إبراز التباين في طريقة إدارة الدولة لصدمة الرأي العام؛ ففي قضية الأغبري، سارعت السلطات القضائية الخاضعة للحوثيين إلى إظهار نفسها بمظهر الحريص على القصاص السريع، ولو في إطار محاكمة مثقلة بدلالات سياسية وإعلامية. أما في قضية اغتصاب الطفل في عدن، فإن تأخر البيان، وغياب الشفافية، ووجود سوابق إفراج عن المتهم، كلها عناصر تعطي الانطباع بأن المنظومة الأمنية لا تريد فتح الملف على مصراعيه، خشية أن ينكشف ما هو أوسع من شخص واحد أو مجموعة صغيرة.

هذه القراءة تقود إلى نتيجة مقلقة: حين يصبح الفعل الإجرامي مرتبطاً بشبكة نفوذ، يتراجع القانون خطوات إلى الخلف، ويجد المجتمع نفسه أمام معادلة قاسية مفادها أن العدالة ليست متاحة للجميع بالقدر نفسه، وأن الضحية إذا كان طفلاً بلا سند، والجاني مرتبطاً بعلاقات سياسية أو أمنية، فإن الكفة تميل – عملياً – لصالح المعتدي. في مثل هذا المناخ، يتسع شعور الناس بأن الحماية الحقيقية لا تأتي من المؤسسات الرسمية بل من الضغوط الشعبية والرأي العام، وهو ما يفسر إلحاح الأصوات التي ترى في نشر الفيديو وفضح الجريمة عملاً دفاعياً أخيراً عن المجتمع في وجه منظومة متواطئة.

تجاهل هذه الرسائل، أو التعامل معها بمنطق «إدارة الفضيحة» بدلاً من منطق «إقامة العدالة»، سيكرّس صورة خطرة عن الدولة في عدن مفادها أنها عاجزة – أو غير راغبة – في تفكيك شبكات الجريمة حين تتشابك مع شبكات النفوذ، حتى لو كان الضحايا أطفالاً يواجهون أبشع أشكال الانتهاك. وعند هذه النقطة تحديداً، تتجاوز القضية حدود جريمة اغتصاب واحدة لتصبح اختباراً لمفهوم الدولة ذاته: هل هي جهاز لحماية الناس، أم مظلة تُستغل لحماية من يعتدي عليهم؟


اكتشاف المزيد من مآلات ميديا

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.