م. فؤاد أبوراس – مآلات ميديا :

في مطلع مارس 2026، أرسل البيت الأبيض رسالة مقتضبة إلى الكونغرس الأميركي يخطره فيها بأن القوات الأميركية دخلت في «أعمال قتالية» ضد إيران، في لحظة بدت للوهلة الأولى مجرد خطوة إجرائية في سياق حرب تتصدر شاشات الأخبار. لكن ما لم يره معظم المتابعين هو أن هذه الرسالة أطلقت في الخلفية ساعة قانونية دقيقة، ظل عقربها يتحرك بصمت نحو موعد شديد الحساسية: مهلة الستين يوماً التي يحددها «قانون صلاحيات الحرب» للعمليات العسكرية التي يشنها الرئيس من دون تفويض صريح من الكونغرس. ومع حلول الأول من مايو، وجدت إدارة دونالد ترامب نفسها أمام سؤال دستوري لا يقل خطورة عن الصراع المفتوح مع طهران: هل يحق للرئيس أن يواصل حربه على إيران متجاوزاً هذا القيد التاريخي الذي فُرض على البيت الأبيض منذ زمن فيتنام؟

قانون صلاحيات الحرب الصادر عام 1973 لم يكن يوماً هدية للرؤساء بقدر ما كان محاولة من الكونغرس لتقليم أظافر السلطة التنفيذية بعد سنوات من الحروب المفتوحة في جنوب شرق آسيا. ينص القانون على إلزام الرئيس بإخطار الكونغرس خلال ثمانٍ وأربعين ساعة من إرسال قوات أميركية إلى أعمال قتالية أو إلى أوضاع يُحتمل أن تنزلق إلى القتال، ثم يفرض سقفاً زمنياً مدته ستّون يوماً لاستمرار تلك «الأعمال العدائية» ما لم يصدر عن المجلسين إعلان حرب أو تفويض خاص باستخدام القوة، مع منح ثلاثين يوماً إضافية فقط لغرض انسحاب القوات بصورة منظمة وآمنة. بهذا المعنى، هو سياج زمني وقانوني يحيط بالقرار الرئاسي في حالات الطوارئ، لا شيكاً على بياض للحرب، ويعيد التذكير بأن سلطة إعلان الحرب أصلاً هي امتياز تشريعي لا يمكن للرئيس أن يستولي عليه منفرداً.

منذ نهاية فبراير، حين بدأت الضربات الأميركية – الإسرائيلية على أهداف داخل إيران وتوسّعت إلى مضيق هرمز وخطوط إمداد طهران في الإقليم، كانت ساعة القانون تدق من الخلفية: حرب بلا تفويض رسمي من الكونغرس، لكنها مُغطاة مؤقتاً بمهلة الستين يوماً التي تبدأ من تاريخ إخطار الرئيس للمجلسين في الثاني من مارس وتنتهي في الأول من مايو. ومع اقتراب الموعد، بدأ الضغط يتصاعد في واشنطن؛ ديمقراطيون يتهمون ترامب بتجاوز صلاحياته، وجمهوريون معتدلون يتحسسون كلفة حرب طويلة وغير محسومة، ووسائل إعلام تذكّر الرأي العام بنص صريح: توقف تلقائي لأي استخدام للقوة العسكرية بعد مرور المهلة ما لم يمنح الكونغرس موافقته.

لم يكن هذا المأزق ابن ساعته. فترامب قرر منذ البداية خوض المواجهة مع إيران بلا تفويض تشريعي مسبق، مستنداً إلى دوره كقائد أعلى للقوات المسلحة وإلى خطاب تقليدي عن «الرد على تهديد وشيك» مصدره البرنامج النووي الإيراني وهجمات حلفاء طهران في المنطقة. في الأسابيع الأولى، بدا المزاج العام في واشنطن قابلًا لتحمّل هذه المغامرة، مع موجة غضب على خلفية ضربات إيرانية استهدفت قواعد ومنشآت حيوية في الخليج، لكن مع دخول الحرب شهرها الثاني، وتزايد كلفتها الاقتصادية والعسكرية، بدأ السؤال الدستوري يزاحم الخطاب التعبوي على الشاشات: إلى متى يستطيع الرئيس أن يواصل حرباً كهذه وحده؟

على الأرض، لم تمنح إيران لترامب «نصر البرق» الذي روّج له في خطاباته الأولى، لكنها أيضاً تجنّبت الانزلاق إلى حرب شاملة لا تملك شروطها. اختارت طهران ردوداً محسوبة: ضربات صاروخية محدودة، تهديد مدروس للملاحة في هرمز، واستثمار أوراقها في العراق وسوريا ولبنان واليمن، لتجعل كلفة المواجهة على واشنطن عالية بما يكفي لإرباك حساباتها، من دون أن تتجاوز الخط الأحمر الذي يفرض على الولايات المتحدة تعبئة كاملة وإعلان حرب رسمية. وفي اللحظة التي قبلت فيها بوقف إطلاق نار هشّ، لم يكن ذلك استسلاماً قدر ما كان انتقالاً إلى طور جديد من الصراع، تُستخدم فيه الهدنة كمساحة لإعادة التموضع، بينما تبقى كل عناصر التوتر كامنة تحت السطح.

هنا بالضبط وُلد المأزق. إدارة ترامب رأت في وقف إطلاق النار فرصة للهروب من قيود ساعة الستين يوماً؛ فأبلغ الرئيس الكونغرس بأن «الأعمال القتالية مع إيران انتهت»، وذهب أبعد من ذلك حين وصف قانون صلاحيات الحرب نفسه بأنه «غير دستوري»، في إشارة واضحة إلى أنه لا ينوي طلب تفويض تشريعي لاستمرار الضغوط العسكرية والحصار البحري على إيران. وزير الحرب بيت هيغسيث تولى مهمة تأطير الموقف قانونياً، مؤكداً أمام أعضاء في مجلس الشيوخ أن الهدنة «أوقفت العدّ الزمني» للقانون، وأن ساعة الستين يوماً لا تُحسب في زمن لا تُطلق فيه النار.

لكن هذا المنطق قوبل برفض واسع داخل الكونغرس وخارجه. فمشرّعون وخبراء قانونيون ذكّروا بأن استمرار تموضع القوات الأميركية في وضع هجومي، وإبقاء الحصار على هرمز وتشغيل الآلة العسكرية في حالة استنفار دائم، يندرج ضمن تعريف «الأعمال العدائية» في الغاية التي صيغ من أجلها قانون 1973، حتى لو سكتت المدافع أياماً أو أسابيع. أخطر ما في تفسير ترامب أنه يُفرغ القانون من روحه: فالرئيس، نظرياً، قادر وفق هذا الفهم على خوض حرب لواحد وخمسين يوماً، ثم إعلان هدنة شكلية، يعقبها استئناف القتال بوصفه «مرحلة جديدة» بساعة جديدة، وهكذا إلى ما لا نهاية.

من هذه الزاوية، يبدو أن من حشر ترامب في الزاوية لم يكن الإيرانيين وحدهم، بل أيضاً النظام الدستوري الذي حاول هو نفسه التحايل عليه. إيران ساعدت في تكوير كرة الثلج، حين صمدت بما يكفي لتفويت فرصة نصر سريع، وناورت بما يكفي لتطيل زمن الحرب حتى تلامس سقف الستين يوماً، لكنها لم تصنع النص القانوني ولا الصراع التاريخي بين البيت الأبيض والكابيتول. ما فعلته طهران هو أنها كشفت هشاشة رهانات ترامب على حرب خاطفة، وأجبرت الأميركيين على أن يواجهوا أسئلة مؤجلة حول من يمتلك قرار الحرب في بلادهم: الرئيس أم ممثلو الشعب؟

في المقابل، تكشف محاولة ترامب لتصفير مهلة الستين يوماً عن دوافع أعمق من مجرد رغبة في المناورة القانونية. الرئيس الأميركي يسعى إلى تفادي لحظة التصويت في الكونغرس على تفويض الحرب، لأن تصويتاً كهذا – حتى لو جاء لصالحه – سيُقسّم واشنطن على خط إيران، ويحوّل الملف إلى محور استقطاب انتخابي، ويقيّد هامش مناورة البيت الأبيض في أي تسوية لاحقة. كما أن الحفاظ على غموض قانوني محسوب يمنحه قدرة أكبر على استخدام الحرب كورقة ضغط تفاوضية: يُصعِّد حين يريد انتزاع تنازل، ويُهدّئ حين يحتاج إلى مخرج لائق، من دون أن يكون مرتبطاً بولاية قانونية صريحة أو مدّة زمنية واضحة.

هذه الرغبة في استعادة حرية اليد في الحرب ليست جديدة على ترامب، بل تتسق مع مسار أوسع يسعى فيه إلى توسيع صلاحيات الرئاسة على حساب الكونغرس، وإعادة تفسير القيود التي فرضتها حقبة ما بعد فيتنام على التدخلات العسكرية الخارجية. في هذا الإطار، تتحول حرب إيران إلى حقل اختبار إضافي لصراع أيديولوجي داخلي على تعريف حدود السلطة التنفيذية في زمن الحروب: أتكون الحرب قرار رجل واحد في البيت الأبيض، أم قرار دولة تتحدث عبر مؤسساتها؟

أما على مستوى السيناريوهات، فإن محاولة تصفير الساعة القانونية لا تعني أن الحرب قد انتهت أو أن خطر انفجارها قد تلاشى؛ على العكس، ربما تكون قد فتحت الباب أمام حرب أقل وضوحاً وأكثر خطورة. فالمرجّح في المدى القريب أن يستمر نمط «الحرب منخفضة الوتيرة»: حصار بحري، تهديدات متبادلة، ضربات جوية أو سيبرانية موضعية، وعمليات بالوكالة في ساحات عربية، دون إعلان حملة شاملة أو تفويض جديد من الكونغرس. في ظل هذا النمط، يواصل ترامب التصرّف على أساس أن ما يجري «تدابير دفاعية» لا تخضع بالكامل لمنطق مهلة الستين يوماً، بينما لا يملك الكونغرس إلا أدوات ضغط سياسية وإعلامية وقانونية طويلة النَّفَس، من دون قدرة فورية على وقف كل تحرك ميداني.

غير أن استمرار الاحتكاك في منطقة شديدة الحساسية كهرمز يجعل احتمال الحادث الكبير دائماً على الطاولة: إسقاط طائرة، استهداف ناقلة عملاقة، أو هجوم صاروخي يسقط فيه عدد كبير من الجنود الأميركيين. حادث من هذا النوع قادر على قلب الطاولة؛ فمن جهة يمنح ترامب ذريعة قانونية وسياسية لإطلاق جولة جديدة من التصعيد تحت شعار «الرد على عدوان مباشر»، ومن جهة أخرى يُحرج معارضيه في الكونغرس الذين سيخشون الظهور بمظهر من يقيّد يد الرئيس في لحظة دم وحزن وطني.

في المقلب الآخر، قد تُستثمر حالة «لا حرب/لا سلام» الراهنة في دفع الأمور نحو تسوية سياسية، تُجمّد البرنامج النووي الإيراني وتقيّد نفوذ طهران الإقليمي مقابل تخفيف متدرّج للعقوبات والضغوط، من دون أن تُعلن الولايات المتحدة انتصاراً عسكرياً حاسماً. هنا يصبح الزمن نفسه جزءاً من التفاوض؛ فكل يوم تمضي فيه الحرب بلا حسم يضغط على ترامب داخلياً عبر الاقتصاد وأسعار النفط والرأي العام، ويُعلّم الإيرانيين درساً قديماً متجدداً: أن الصبر الإستراتيجي يمكن أن يكون سلاحاً لا يقل فاعلية عن الصواريخ الباليستية.

في خلفية هذه الصورة المعقّدة، تقف دول الخليج وإسرائيل كلاعبين متأثرين ومؤثرين في آن واحد. دول الخليج ترى في استمرار المواجهة دون حسم خطراً مضاعفاً؛ فالأراضي والمنشآت النفطية تبقى عرضة للانتقام الإيراني في أي لحظة، والاقتصاد الإقليمي يظل رهينة تقلبات سوق الطاقة، فيما تشهد مجتمعاتها ضغطاً متزايداً من كلفة الحرب وحالة اللايقين. إسرائيل من جهتها تستثمر أي هامش توفره المواجهة الأميركية – الإيرانية لتوسيع نشاطها العسكري ضد البنى التحتية الإيرانية في سوريا وربما داخل إيران نفسها، مطمئنة إلى أن البيت الأبيض لن يضع لها قيوداً صارمة طالما أن ضرباتها تُخدم ضمنياً استراتيجية الضغط الأقصى على طهران.

في نهاية المطاف، ما يجري ليس مجرد جدل تقني حول تفسير قانون صدر قبل أكثر من نصف قرن، بل هو اشتباك بين حربين متداخلتين: حرب تُخاض بالصواريخ والطائرات فوق الخليج والجبال الإيرانية، وحرب أخرى تُخاض بالمذكرات القانونية والتصريحات النارية تحت قبة الكونغرس. في الأولى، تحاول إيران أن تصمد وتعدّل موازين القوة الإقليمية لتخرج من خانة «الدولة المستهدفة» إلى خانة اللاعب الندي؛ وفي الثانية، يحاول ترامب أن يحرّر موقعه في البيت الأبيض من قيود الستين يوماً، وأن يعيد تعريف العلاقة بين الحرب والقانون في الولايات المتحدة. وبين الدورتين، تظل ساعة صغيرة تدقّ في خلفية المشهد، تذكّر الجميع بأن في الحروب الحديثة زمنًا آخر غير زمن الجبهات، زمنًا يصنع أحياناً الهزيمة أو الانتصار قبل أن تنطق به المدافع.


اكتشاف المزيد من مآلات ميديا

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.