م. فؤاد أبوراس – مآلات ميديا :
في أوقات الشدة، لا تضيع الأمم غالبًا لأنها لا تملك بوصلة، بل لأنها تترك الغبار يتراكم فوقها حتى يصبح الاتجاه الصحيح حاضرًا في الذاكرة وغائبًا في الممارسة. فالبوصلة موجودة: حماية الناس، صون الكرامة، مواجهة العدوان، حفظ التماسك، وترميم الثقة. غير أن وجود البوصلة وحده لا يكفي؛ فكم من سفينة غرقت وهي تحمل الخريطة الصحيحة، وكم من قرار ضلّ طريقه وهو يبدأ بعبارة وطنية جميلة.
القضايا العادلة لا تُصاب بالضعف من خصومها فقط، بل من سوء خدمتها أحيانًا. والعدو الذي يضغط من الخارج يراهن دائمًا على أن تتراكم من الداخل أخطاء صغيرة: قرار مرتبك، إجراء ثقيل، منصب أكبر من صاحبه، كفاءة مؤجلة، خدمة متعثرة، ومواطن يخرج من باب مؤسسة وهو لا يعرف هل كان يبحث عن حقه أم يطلب معروفًا. هنا يبدأ الغبار الحقيقي؛ لا في الشعارات، بل في المسافة بين الشعار وأثره في حياة الناس.
لا أحد ينكر قسوة الظروف. ولا عاقل يطلب إدارة مثالية في زمن الحصار والضيق وتعقّد الموارد. لكن بين الاعتراف بصعوبة المرحلة وبين تحويل الصعوبة إلى مظلة مفتوحة لكل عجز، توجد مساحة واسعة اسمها المسؤولية. فالظروف الصعبة لا تلغي المعايير، بل تجعل الحاجة إليها أشد. والموارد المحدودة لا تبرر سوء الترتيب، بل تفرض ترتيبًا أدق. والمرحلة الحساسة لا تحتمل المجاملة الإدارية، بل تحتاج إلى كفاءة ترى أبعد من مكتبها وأقرب إلى وجع الناس.
الغبار لا يتراكم بصوت عالٍ. يبدأ ناعمًا جدًا: اختيار غير موفق بلا تبرير مقنع، شكوى تُحال من مكتب إلى مكتب حتى تفقد معناها، مشروع يبدأ بحماس وينتهي بملف سميك، اجتماع يشرح المشكلة أكثر مما يحلها، ومسؤول يحسن وصف العاصفة لكنه لا يصلح النافذة. تبدو هذه التفاصيل صغيرة في ظاهرها، لكنها مع الوقت تصنع مزاجًا عامًا أخطر من أي تقرير: الناس تشعر أن الاتجاه موجود في الكلام، وأن الطريق يتوه عند التنفيذ.
أشد صور الخلل لطفًا في الشكل وقسوة في الأثر هي تلك التي ترتدي ثوب النظام. أوراق كثيرة، إجراءات كثيرة، لجان كثيرة، عبارات مرتبة، تعيينات غير موفقة ومخرجات لا تكاد تُرى. في مثل هذه الحالات لا يبدو الفشل غاضبًا أو صاخبًا؛ يبدو مؤدبًا جدًا، يضع ربطة عنق، يعتذر عن التأخير، ثم يطلب من الناس مزيدًا من الصبر. وما أكثر ما تجرحنا الأخطاء التي تأتي بصوت منخفض، لأنها تعبر دون أن تستفز الحراسة.
المواطن البسيط لا ينتظر معجزة. يريد فقط أن يشعر أن هناك معيارًا يحكم الأمور. أن يعرف ان كل شي يحدث من اجله وانه ليس هامشا ، لماذا يُسمع صوت ويغيب آخر، لماذا تصبح بعض الأبواب واسعة لمن يعرف الطريق إليها، وضيقة على من لا يملك إلا حقه. الناس قد تتحمل قلة الإمكانات، لكنها تتعب من كثرة الالتباس. وقد تصبر على أثر العدوان، لكنها تتأذى حين ترى أن أثر العدوان يُدار أحيانًا بعقلية تزيد ثقله بدل أن تخففه.
وحين نقول إن الغبار تراكم فوق البوصلة، فنحن لا نفتش عن خصومة مع أحد، ولا نهوى جلد الذات، ولا نفتح نافذة للعدو. نحن نحاول فقط أن نقول إن البوصلة التي لا تُنظَّف تفقد وظيفتها، وإن الجبهة الداخلية لا تُحمى بالصمت عن الخلل، بل بتقليل فرصه. فالخطأ الذي يُراجع يظل خطأً محدودًا، أما الخطأ الذي يجد من يبرره دائمًا فيكبر حتى يصبح تقليدًا إداريًا محترمًا، وربما يحصل في النهاية على ختم رسمي.
المعركة الكبرى لا تُخاض فقط في مواجهة العدو المباشر. تُخاض أيضًا في طريقة إدارة الماء، والدواء، والكهرباء، والراتب، والشكوى، والوظيفة، والموارد العامة. تُخاض حين يشعر المواطن أن المؤسسة أقرب إليه من الطابور، وأن المسؤول يسمع قبل أن يشرح، وأن القرار يملك سببًا عادلًا لا مجرد توقيع. ففي زمن العدوان، تصبح الخدمة العامة جزءًا من الصمود، وتصبح العدالة الإدارية شكلًا من أشكال المقاومة الهادئة.
الأمم لا تتماسك بالشعارات وحدها، مهما كانت صادقة. تتماسك حين يشعر الناس أن الكلام الكبير له ترجمة صغيرة في حياتهم اليومية. حين يرون أن الحديث عن العدالة يظهر في قرار التعيين، وأن الحديث عن المسؤولية يظهر في المحاسبة، وأن الحديث عن الصمود يظهر في حماية المواطن من الإذلال، وأن الحديث عن الكفاءة لا يبقى ضيفًا عابرًا في المناسبات. الشعار الذي لا يجد طريقه إلى الخدمة يتحول مع الوقت إلى عبارة متعبة، حتى لو ظل صحيحًا في أصله.
الغبار الذي يغطي البوصلة ليس مؤامرة دائمًا. أحيانًا هو نتيجة التراخي، وأحيانًا نتيجة الخوف من المراجعة، وأحيانًا نتيجة الخلط بين النقد والتشويش، وأحيانًا نتيجة الاعتقاد أن النوايا الطيبة كافية لتعويض القرار السيئ. والنوايا الطيبة، مع كامل الاحترام لها، لا تُصلح شبكة مياه، ولا تدير مؤسسة، ولا تعيد ثقة، ولا تختار الرجل المناسب للمكان المناسب. الإدارة تحتاج قلبًا حاضرًا، لكنها تحتاج عقلًا أكثر حضورًا.
المؤسسات الواثقة لا تخاف من النقد المهذب، لأنها تعرف أنه أشبه بتنظيف الزجاج لا بكسره. أما حين يصبح السؤال مصدر قلق، وتصبح الملاحظة إزعاجًا، ويصبح التنبيه تعديًا على المقام، فإن الغبار يجد بيئة مثالية للتراكم. لا أحد يطلب فتح أبواب الفوضى باسم النقد، لكن لا أحد ينبغي أن يغلق أبواب التصحيح باسم الحساسية. فالصمت الطويل لا يحمي الهيبة؛ يحمي الخلل حتى يشتد عوده.
لا نحتاج إلى إعلان كبير كي نثبت أننا نعرف الاتجاه. نحتاج إلى أثر. إلى خدمة تتحسن، وشكوى تُسمع، وكفاءة تُحترم، وقرار يُشرح، وخطأ يُصحح، ومسؤول يعتذر حين يلزم بدل أن يبحث عن قاموس جديد للتبرير. نحتاج إلى إدارة تفهم أن المواطن ليس اختبارًا لصبر الدولة، بل معيارًا لنجاحها. وأن الثقة لا تُطلب من الناس، بل تُبنى أمام أعينهم، يومًا بعد يوم، بإجراءات عادلة ونتائج ملموسة.
العدو سيظل عدوًا، وعدوانه سيظل جريمة لا تسقط من الذاكرة ولا من المسؤولية. لكن مواجهة العدو لا تكتمل بفضح جرائمه فقط، بل بإغلاق الطرق التي يحاول النفاذ منها إلى الداخل: الإحباط، فقدان الثقة، تآكل الخدمة، وتحوّل الحق إلى رحلة شاقة. وكلما صارت الإدارة أكثر عدلًا وكفاءة، خسر العدو مساحة من رهانه. وكلما تراكم الغبار فوق البوصلة، كسب مساحة لم يستحقها.
لم نفقد البوصلة. ما زالت هناك قيم واضحة، وتضحيات كبرى، واتجاه عام يستحق أن يُحمى. لكن الغبار تراكم فوقها بما يكفي ليجعل بعض الخطوات مترددة، وبعض القرارات متأخرة، وبعض الأولويات مشوشة. وحين يتراكم الغبار، لا تكون المشكلة في البوصلة ذاتها، بل في اليد التي أهملت تنظيفها، وفي العين التي اعتادت الرؤية المعتمة، وفي اللسان الذي صار يشرح العتمة بدل أن يطلب الضوء.
اكتشاف المزيد من مآلات ميديا
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.




















