مآلات ميديا – مآلات محلية :
لوّح الأكاديمي في جامعة تعز الدكتور ضياء عبد الرحمن عثمان بإحراق كتبه وأبحاثه، في خطوة احتجاجية ذات طابع رمزي حاد على تدهور أوضاعه المعيشية واستمرار أزمة تأخر الرواتب، وذلك في مقطع فيديو متداول أثار تفاعلاً واسعاً على منصات التواصل الاجتماعي الجمعة 8 مايو 2026. وقال عثمان إن مؤلفاته وأبحاثه تمثل خلاصة سنوات طويلة من التدريس والعمل الأكاديمي، واصفاً إياها بأنها الإرث الوحيد الذي بقي له بعد رحلة علمية لم تعد تملك، في لحظة الانكسار، سوى أن تحوّل الورق إلى صرخة.
ولم يكن تهديد الأكاديمي اليمني فعلاً معزولاً أو انفجاراً عاطفياً عابراً، بل جاء بوصفه تعبيراً مكثفاً عن أزمة أوسع تضرب الكادر الجامعي في اليمن، حيث شدد في رسالته على أن الراتب “حق وليس منّة”، وأن أعضاء هيئة التدريس الذين أفنوا أعمارهم في بناء الأجيال باتوا يواجهون “التجويع والتجاهل”. وفي العبارة الأكثر دلالة، قال عثمان إنه يأمل أن يصل “دخان الكتب” إلى الجهات المعنية، وكأن المعرفة التي لم تعد قادرة على حماية صاحبها من الجوع ستصعد رماداً كي تُرى بعدما عجزت الكلمات والبيانات عن اختراق جدار الصمت.
وتكتسب الواقعة دلالتها من كونها لا تتعلق بكتاب يحترق، بل بمكانة الجامعة حين يصل أستاذها إلى التفكير في التضحية بما أنتجه عقله احتجاجاً على ضياع أبسط حقوقه. فالدكتور ضياء عبد الرحمن أحمد عثمان يظهر في سجلات مجلة العلوم التربوية والدراسات الإنسانية بجامعة تعز باحثاً في موضوع “الشكل والإجراءات في القرار الإداري”، وهو ما يمنح احتجاجه مفارقة لافتة: رجل قانون وإدارة يرفع احتجاجه لا ضد نقص امتياز، بل ضد خلل في أبسط قواعد العلاقة بين المؤسسة ومن يخدمها.
وتأتي صرخته بعد أشهر من تحذيرات نقابية صريحة، إذ طالبت نقابة أعضاء هيئة التدريس ومساعديهم في جامعة تعز بانتظام صرف الرواتب وتحسينها بما يعادل قيمتها عام 2014، وصرف مستحقات متأخرة منذ عام 2017، وهددت بالتصعيد عبر الشارات الحمراء والوقفات الاحتجاجية وصولاً إلى الإضراب الشامل. وقالت النقابة إن انهيار العملة وارتفاع أسعار الغذاء والدواء والإيجارات جعلت حياة الأكاديميين “جحيماً لا يُطاق”، مؤكدة أن الراتب لم يعد يكفي لتوفير الحد الأدنى من الحياة الكريمة لأسبوع واحد.
وبذلك ينتقل احتجاج عثمان من كونه موقفاً فردياً إلى كونه صورة مكثفة لمسار طويل من الاستنزاف؛ فجامعة تعز شهدت في أبريل 2026 أزمة رواتب تجاوز تأخرها 70 يوماً، وسط تقارير تحدثت عن انخفاض حضور أعضاء هيئة التدريس إلى نحو 20% وإلغاء محاضرات بسبب عجز أساتذة عن توفير أجرة المواصلات. وتخدم الجامعة أكثر من 30 ألف منتسب، ما يعني أن الأزمة لا تضرب دخل المدرس وحده، بل تمتد إلى انتظام القاعات، وجودة التعليم، وثقة الطلاب بمؤسسة يفترض أن تكون بوابة المستقبل لا شاهداً آخر على الانهيار.
وعلى المستوى الوطني، تكشف الواقعة عن مرض أعمق في بنية التعليم العالي اليمني، إذ خلص مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية إلى أن الرواتب غير المدفوعة، وتراجع الإقبال، والخصخصة غير المنظمة، دفعت منظومة التعليم العالي في اليمن إلى حافة الانهيار. ووفق المركز، فإن راتب الأستاذ الجامعي في مناطق الحكومة المعترف بها دولياً كان يعادل نحو ألف دولار في بداية الصراع، لكنه تراجع إلى نحو 140 دولاراً، بينما هبط راتب المحاضر من نحو 350 دولاراً إلى نحو 45 دولاراً بفعل تآكل العملة وغلاء المعيشة.
وهنا تبدو رمزية إحراق الكتب أكثر قسوة من أي لافتة احتجاجية؛ فالكتاب في الوعي الأكاديمي ليس ممتلكاً مادياً فحسب، بل سجل العمر ووعاء الاعتراف الاجتماعي وامتداد الذات المهنية. وحين يلوّح أستاذ جامعي بحرق نتاجه، فهو لا يهدد بإتلاف أوراق، بل يعلن أن العقد الأخلاقي بين الدولة والمعرفة يتفكك، وأن المجتمع الذي لا يصون معلمه يدفعه إلى تحويل منجزه إلى شاهد اتهام.
وتعزز هذه القراءة وقائع مشابهة سبقت حادثة تعز، فقد هدد الأكاديمي والناقد اليمني عبد الواسع الحميري في مايو 2024 بإحراق أكثر من أربعين كتاباً أمام قصر معاشيق في عدن احتجاجاً على تجاهل حقوقه المالية، قائلاً إن أربعة عقود من الجهد والمثابرة لم تشفع له في الحصول على حقه في الراتب والعمل. وهذا التكرار يحوّل فعل “إحراق المؤلفات” من صدمة فردية إلى لغة احتجاج جديدة لدى نخبة فقدت أدوات الضغط التقليدية، فاختارت أكثر رموزها قداسة كي توقظ ضمير السلطة والمجتمع.
ومن زاوية استراتيجية، تكشف الواقعة عن ثلاثة مسارات خطرة: الأول هو تآكل هيبة الجامعة بوصفها مؤسسة إنتاج معرفة؛ والثاني هو دفع الأكاديميين إلى الانسحاب من البحث والتدريس نحو أعمال بديلة أو عزلة قسرية؛ والثالث هو انتقال الأزمة من خانة الرواتب إلى خانة الأمن المجتمعي طويل المدى. وقد أشار مركز صنعاء إلى أن البحث العلمي في اليمن توقف تقريباً لدى كثير من الأكاديميين لأنه صار يُنظر إليه كرفاهية مستحيلة أمام سؤال الطعام والديون والبقاء.
وإذا استمر هذا المسار، فإن المآلات لن تقف عند تعطيل محاضرات أو تأجيل امتحانات، بل قد تمتد إلى نزيف الكفاءات وانكماش الأقسام العلمية وتراجع مستوى الخريجين في بلد يحتاج إلى أطباء ومهندسين ومعلمين وإداريين لإعادة بناء ما هدمته الحرب. وتقرير مركز صنعاء حذر من أن نتائج انهيار التعليم العالي ستبقى ممتدة حتى بعد توقف القتال، لأن أجيالاً جامعية كاملة تخرجت في ظل تعليم ضعيف ومؤسسات منهكة وأساتذة منشغلين بالبقاء.
كما أن أزمة الرواتب لم تعد مسألة مالية تقنية، بل أصبحت جزءاً من معادلة الاستقرار والكرامة العامة؛ فقد خلص تقرير نشره موقع ريليف ويب عن اليمن إلى أن تأخر أو انقطاع رواتب القطاع العام يدفع الأسر إلى دوائر الدين والجوع والقرارات القاسية، ويضعف فاعلية الخدمات العامة ويقوض الاستقرار المنزلي والمجتمعي. وبالمنطق نفسه، فإن راتب الأستاذ الجامعي ليس بنداً في موازنة فحسب، بل هو شرط لاستمرار وظيفة الجامعة في إنتاج العقل العام وحماية المجتمع من الفراغ المعرفي.
لذلك، فإن فيديو الدكتور ضياء عبد الرحمن عثمان لا ينبغي أن يُقرأ كحادثة مؤثرة عابرة في فضاء التواصل، بل كإنذار مبكر من داخل المؤسسة التي يفترض أن تنتج الحلول. فحين يصبح دخان الكتب هو الرسالة الأخيرة، فالمشكلة لم تعد في تأخر راتب أستاذ فقط، بل في تأخر دولة كاملة عن إدراك أن انهيار الجامعة يبدأ بصمت، لكنه حين يشتعل لا يحرق رفوف المكتبات وحدها، بل يحرق معها ما تبقى من ثقة المجتمع بمستقبله.
اكتشاف المزيد من مآلات ميديا
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.




















