مآلات ميديا – مآلات غزاوية :
في ذروة جولة جديدة من التصعيد الصهيوني على قطاع غزة، خرج رئيس حركة حماس في غزة خليل الحية على شاشة الجزيرة ليضع ما يجري في سياقه الأوسع، مؤكدا أن استهداف الاحتلال لحيّ الدرج المكتظ بالسكان ليس حادثا معزولا بل رسالة سياسية وأمنية فحواها أن “كل الشعب الفلسطيني مستهدف، ولا أحد فوق دائرة النار”. لم يقدّم الحية القصف بوصفه رد فعل عسكريا ظرفيا، بل اعتبره امتدادا لنهجٍ يقوم على تعميم عقوبة الحرب والحصار على مجتمع بأسره، في انسجام مع تقارير دولية سابقة وصفت سياسات الاحتلال في غزة بأنها عقاب جماعي يستهدف المدنيين وبناهم الأساسية لجعل الحياة اليومية أكثر صعوبة واستحالة.

ومن هذا المدخل، انتقل الحية إلى تفكيك “رسالة الاحتلال” ، موضحا أن القصف المكثف للأحياء المدنية والتصعيد المتكرر في لحظات التفاوض الحساسة يهدف إلى تكريس معادلة مفادها أنه لا خطوط حمراء أمام الكيان المحتل، وأن دماء الفلسطينيين وأمنهم الفردي والجماعي كله في مرمى الرشقات الجوية والبرية بلا استثناء. فالاستهداف، ب لا يفرّق بين مقاوم ومدني، ولا بين موقع عسكري وحي سكني، بما يعيد إلى الواجهة اتهامات حقوقية دولية سابقة بأن الاحتلال يتعامل مع غزة باعتبارها “كيانا معاديا” يجب إخضاعه بالقوة عبر ضرب مقومات الحياة نفسها من ماء وكهرباء وطرق ومستشفيات، وليس فقط عبر مواجهة مسلّحة تقليدية مع فصيل أو جناح عسكري بعينه. وهكذا تُدمج الغارات الميدانية في استراتيجية أوسع لفرض الإرادة السياسية على الفلسطينيين من خلال الألم الجماعي المستمر، لا من خلال مكاسب تفاوضية متكافئة.

وأشار الحية ان الكيان الصهيوني “متمرد على الاتفاقيات وعلى كل القرارات”، في إشارة مباشرة إلى تعثر المسار التفاوضي الذي يشكل اتفاق شرم الشيخ أحد محاوره، والذي رُوّج له كأرضية لوقف الحرب والانتقال إلى ترتيبات ما بعد العدوان في القطاع. ووفقا لما كشفه، فإن المفاوضات “تراوح مكانها” بفعل تعنت صهيوني يرفض تنفيذ التزامات المرحلة الأولى، وهو ما يعرقل تلقائيا الانتقال إلى “المرحلة الثانية” التي يفترض أن تشمل انسحابا أوسع، وتوسيعا لدخول المساعدات، والانطلاق في مسار الإعمار وترتيب المشهد الأمني والسياسي في غزة. هذا التعطيل المقصود، يعكس استخدام تل أبيب للزمن التفاوضي أداةً للمناورة وكسب الوقت، لا بوابة جادة لإنهاء الحرب التي سبق أن أعلنت أطراف دولية، بينها الإدارة الأميركية، أنها وصلت إلى نهايتها وأن اتفاقات وقف إطلاق النار تمثل تتويجا لهذه النهاية.

في هذا السياق الملغوم بالتناقضات لم يوجه الحيه رسائله حصرا إلى الجمهور الفلسطيني، بل نادى الوسطاء والمجتمع الدولي والرئيس الأميركي دونالد ترامب بالاسم، مطالبا إياهم بالضغط على الكيان الصهيوني لإجباره على الالتزام بما وقع عليه في شرم الشيخ. الإشارة المباشرة إلى دور واشنطن هنا هي تعبير عن إدراك حماس لطبيعة ميزان القوى الذي يجعل المظلة الأميركية المحدد الأهم لمدى التزام تل أبيب أو تمرّدها على الاتفاقات، خاصة أن تصريحات الإدارة الأميركية نفسها استخدمت في الفترة الماضية للإيحاء بأن الحرب انتهت وأن المطلوب هو تثبيت وقف إطلاق النار وترتيب ما بعده. وعليه، فإن الحية يحوّل تضارب الخطاب الصهيوني مع المزاج الدولي المعلن إلى ورقة ضغط أخلاقية وسياسية على تل أبيب.

الجدير بالذكر ان طريقة تعامل الكيان مع تصريحات الحية تعتبر إدراكا مبكرا لخطورة هذا الخطاب على مستوى معركة السرديات، إذ سبق أن قابلت المؤسسة العسكرية والسياسية الصهيونية خطابات مشابهة لقادة حماس بتلويح بتصعيد عسكري جديد تحت عنوان “زيادة الضغط” لمعاقبة الحركة وقيادتها. هذا التهديد المتكرر بالتصعيد كرد على خطاب سياسي أو تفاوضي يكشف أن الاحتلال ينظر للكلمة الفلسطينية بوصفها امتدادا للمعركة وليست تعليقاً عليها، فيسعى إلى إعادة ضبط ميزان الردع عبر النار كلما شعرت تل أبيب أن الرواية الفلسطينية تكتسب أرضية أوسع لدى الرأي العام الإقليمي والدولي. وهنا يتضح أن استهداف حيّ الدرج، ليس مجرد حادث أمني، بل رسالة مزدوجة: عسكرية لإبقاء المجتمع الغزّي تحت الضغط، وسياسية لإبلاغ حماس بأن رفع سقف الخطاب لن يمر دون ثمن ميداني باهظ.

استراتيجيا، يحمل خطاب الحية أن “كل الشعب الفلسطيني مستهدف” وأن الاحتلال “لا يريد الالتزام” بالاتفاقيات دلالات بعيدة المدى على مسار الصراع ومستقبل أي تسوية ممكنة. من جهة، تكرّس هذه الرؤية قناعة متجذرة لدى قطاعات واسعة من الفلسطينيين بأن الاحتلال لا يرى في التسويات سوى فرصة لإعادة التموضع والاستعداد لجولات قادمة، لا إطارا لإنهاء الاحتلال نفسه، ما يعزز التمسك بسلاح المقاومة كـ“خط أحمر” حتى في ظل الحديث عن ترتيبات سياسية وإدارية جديدة لغزة. ومن جهة أخرى، يغذي هذا السلوك الصهيوني الانقسامات الداخلية في تل أبيب بين تيارات ترى ضرورة الذهاب إلى صفقة شاملة تتضمن تبادلا للأسرى وترتيبات سياسية واسعة، وتيارات دينية وقومية متشددة تدفع نحو استمرار العدوان حتى تحقيق أهداف قصوى مثل نزع سلاح المقاومة وإعادة هندسة الواقع الديمغرافي والسياسي في القطاع.

وعلى مستوى المآلات المتوقعة، يشير منطق الأحداث كما رسمه الحية إلى ثلاثة مسارات متداخلة: أولها استمرار حالة “اللاحرب واللاسلم” حيث تبقى المفاوضات مفتوحة شكلا ومجمّدة مضمونا، فيما يستمر القصف والتضييق المعيشي كأداة ضغط على المجتمع الغزّي لدفعه نحو اليأس أو الانفجار الداخلي. وثانيها تصاعد معركة الرواية في المحافل الدولية، خاصة مع تراكم تقارير أممية وحقوقية سابقة وصفت العدوان المتكرر على غزة بأنه يتضمن شبهة جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، وهو ما يوفر أرضية قانونية وسياسية لتصعيد المساءلة الدولية إذا ما تم استثماره دبلوماسيا بشكل منظم ومدعوم من حلفاء إقليميين ودوليين. أما المسار الثالث فيتمثل في احتمال أن تفرض الضغوط المتزايدة على الكيان الصهيوني، سواء من حلفائها أو من داخلها، مراجعة تكتيكية لسلوكها التفاوضي، ليس بالضرورة لإنهاء الاحتلال جذريا، بل للقبول بصيغة “هدنة طويلة” تخفف من حدة الضغط الدولي وتعيد تأهيل صورة تل أبيب من دون تقديم تنازلات جوهرية في الملفات السيادية والأمنية.

انطلاقا من كل ذلك، يتجاوز خطاب خليل الحية الأخير حدود التصريح التقليدي ليشكل وثيقة سياسية تعكس موقع حماس في لحظة مفصلية من عمر الصراع على غزة، حيث يمتزج استمرار الاستهداف الشامل للشعب الفلسطيني مع مفاوضات متعثرة واتفاقات مهددة بالتآكل قبل أن تستكمل مراحلها. فهو من جهة يثبّت رواية أن الحرب، وإن أعلنت بعض العواصم نهايتها، لم تنته بعد على الأرض ما دام الاحتلال يواصل قصف الأحياء والتضييق على المعابر وإبطاء إدخال المساعدات، ومن جهة أخرى يضع المجتمع الدولي، وفي قلبه واشنطن، أمام اختبار صدقية التصريحات التي تتعهد بوقف الحرب وإعادة إعمار غزة. وبين هذين البعدين، تتشكل ملامح مرحلة جديدة من الصراع عنوانها الأبرز أن الشعب الفلسطيني، كما يقول الحية، يجد نفسه مجددا “كلّه تحت الاستهداف”، لكنه في الوقت نفسه يحاول تحويل هذا الاستهداف إلى رافعة لمطالبة أوسع بعدالة مؤجلة، وسلام لا يقوم على الركام ولا يمرّ فوق جثث الضحايا.


اكتشاف المزيد من مآلات ميديا

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.