في فعل مثير للاشمئزاز، وثق جندي صهيوني لحظة تحطيمه راس تمثال للسيد المسيح بمطرقة ثقيلة في بلدة دبل، القرية ذات الغالبية المسيحية الواقعة على ازراف جنوب لبنان قرب الحدود. الصورة التي انتشرت على نطاق واسع تظهر الجندي في زيه العسكري وهو يمسك بالاداة الحادة، يوجه ضربات مباشرة الى التمثال الذي كان يقع في باحة منزل عائلة مسيحية محلية، ملقيا بكل وقع للقداسة والتاريخ الروحي لهذا الرمز.
الفعل لم يكن مجرد تصرف فردي منحرف، بل يعكس -في سياق التوترات المتصاعدة- نمطا من الاعتداءات على المقدسات المسيحية في المنطقة، حيث يرمز تمثال المسيح الى جذور حضارية عميقة في لبنان، بلد يعدّه المسيحيون وسط حضنهم التاريخي المشترك مع اخوانهم من كل الطوائف. هذا الانتهاك لم يقصر على ارض دبل فحسب، بل اشعل موجة من الغضب العالمي، مؤكدا ان اية تهاول مع الرمزيات الدينية يفوق الحدود الجغرافية ليصبح اثمانا على الانسانية كلها.
و اصدرت بطاركة ورؤساء الكنائس المسيحية بالقدس والمنطقة بيانات رسمية تدين الحادثة بشده غير مسبوقة. وصفته البطريركية اللاتينية بـ”الامتهان المخجل للرمزيات المقدسة”، مشيرة الى ان تدنيس تمثال المسيح المصلوب ينطوي على اهانة للكرامة الانسانية والايمانية. كما ادلى رؤساء الكنائس في القدس بيانا مشتركا يصفون الفعل بـ”الانتهاك الخطير للكرامة الدينية”، مطالبين باجراءات حقيقية تفوق الكلمات.
في لبنان، انضمت الكنائس المحلية والمطارنة الى موجة الغضب، مصيفين الحادثة بـ”الانتهاك الصارخ للمقدسات”، ورابطين اياها بسلسلة من المهاجمات على الكنائس والاوفاق المسيحية في فلسطين ولبنان. حيث كانت البيانات اكثر من مجرد استنكار رسمي، لتصل الى مستوى النذير بان الصبر المسيحي المتجذر في التاريخ لم يعد يحمل امام تكرار الاهانات.
و ياتي تحطيم التمثال في وقت تتصاعد فيه المواجهات العسكرية بين الكيان الصهيوني وحركة المقاومة اللبنانية، محولا الحادث الى رمز للغطرسه التي تتجاوز الحدود العسكرية لتصبح حربا على الهويات والمقدسات. دبل، بموقعها الحدودي، ليست ميدان قتال فحسب، بل شاهدة على تعايش تاريخي يتحداه الاحتلال اليوم باكثر من واحدة من الادوات.
الغضب العالمي الذي اثارته الصورة يفوق الحديث عن حادثة واحدة؛ فهو انفجار لمخاوف مرتفقه من “اضطهاد ممنهج” يستهدف المجتمعات المسيحية في المشرق العربي. من القدس الى بيروت، يتجلى الحادث كاستفزاز للوحدة الوطنية اللبنانية، مذكرا بان الحرب ليست على الارض فحسب، بل على الارواح والقيم.
يبقى الحادث شاهدا على ان الغزو الصهيوني للجنوب اللبناني لم يقصر على المعارك، بل امتد الى تدمير الهوية الثقافية والدينية. في وقت تتواصل فيه المفاوضات المرحلية، يضع هذا الفعل الجميع امام حقيقة مرة: ان السلام الحقيقي لا يبدأ بهدنة عسكرية، بل باحترام المقدس وكرامة البشر. الكنائس المسيحية، باستنكارها الحاد، لم تكتفِ بالكلمات فحسب، بل اعادت تأكيد ان الايمان ليس سالما اذا اُهدرت رمزيته على اي ارض.
اكتشاف المزيد من مآلات ميديا
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.




















