مآلات ميديا – جنوب لبنان :
في يومٍ دمويّ يُعدّ من أقسى ضربات المواجهة على تخوم القرى الحدودية، حوّل مجاهو المقاومة الإسلامية في جنوب لبنان جهادهم إلى محرقة بشرية وتقنيّة للآليات والجنود الصهاينة، وحوّلوا محاور التقدم المتوقّع للاحتلال إلى مقابر جماعية متنقلة، تُبرز فشلاً استراتيجياً متفاقماً في قدرة جيش الاحتلال على فرض مسار واحد للسيطرة. التفاصيل الميدانية، الموثقة بالصور ومقاطع الفيديو التي تنتشر في ساحات التواصل، تُظهر أن سلسلة العمليات النوعية، التي جمعت بين صواريخ موجّهة ومسيرات انقضاضية وقذائف مدفعية متبادلة، لم تُعدّ صدفية، بل تُعبّر عن تخطيط دقيق يُنهي مبدأ “التقدم الآمن” الذي ظنّه الاحتلال مجرد قاعدة ثابتة في مواجهته لسلاح المقاومة.

في قلب هذا المشهد، برزت بلدة “القوزح” كمحلّة اختبار حاسمة، حين تحوّلت مفخرة الصناعة الصهيونية، دبابة “ميركافا”، إلى هدف يومي للضربات، وسط مشاهد تُظهر تفحم الدبابة واحتراقها بالكامل في محليقة دقيقة، كأنّ صنّاعها نسوا أنّ الأرض المزروعة بالأحجار ممكنة أكثر من الأرض المزروعة بالألغام في مواجهة عدوّ يتقن فنّ الإغواء والانقضاض. ما يلفت في هذه العمليات هو أنّ المقاومة لم تُكتفِ بضرب الدبابة وحدها، بل استهدفت محيطها: تجمعات الجنود، و㎖عات الإخلاء، وساعات التحرك، ما يُضاعف الكارثة الإنسانية داخل صفوف الاحتلال، ويثبت أنّ مركبات الميركافا لم تعد تُعدّ دروعاً، بل غرف احتراق متحركة في مسرح الحرب الحديثة.

إلى جنوب ذلك، يُضاف مشهد “البياضة” كمثّال مكتمل للهزيمة العمرانية والاستراتيجية، حين تُلغى تجمعات العدوّ تحت وابل من الصواريخ المحلّقة، ويسقط جزءٌ كبير من تنظيم التقدم في مسار تُحدّده المقاومة، لا العدوّ. هنا تُستخدم المسيرات الانقضاضية بكثافة، لتُدمر مرابض المدفعية، وتحوّلها إلى كُتَل متفحّمة، ما يُضعف الإسناد الناري المُفترَض للهجوم البري، ويجعل أيّ تقدّم محكوماً بخسائر مضاعفة، وسط سيناريو يُفّاخر وسائل الإعلام الصهيونية بالسيطرة الجوّية، بينما يُثبت الواقع الميداني أنّ “السماء الباردة” فوق الجنوب ليست ملكاً حصرياً لأيّ طرف. مشاهد مسّيرة انقضاضية واحدة تُحطّم دبابة ميركافا محمّلة بالجنود، ثم تُتابعها حلقة أخرى تستهدف مروحية إخلاء، تُعدّ في سياق التحليل العسكري عمليات مركّبة تعكس قدرة عالية على التخطيط المتقاطع، ورصد التفاصيل اللوجستية للعدوّ، بما يُنهي صورة الجيش الذي لا يُمكن إيقافه، ويجعل من مسار وادي الجمل ووعدشيت القصير ممرّاً للهروب، لا للقتال.

في هذا السياق، يُعدّ تدمير الميركافا ليس مجرد تكتيك، بل رسالة استراتيجية إلى الكيان الصهيوني بأكمله: أنّ الأسطورة التكنولوجية للدبابات الفوّارقة تُواجه اليوم بعصر جديد يُعيد تعريف قوة السلاح؛ فالجبهة المقاومة ليست جبهة دفاعية بسيطة، بل جبهة متحركة، تمتلك وعي التفخيخ والإسناد، وتُجيد الاختباء وسط البنية الريفية، وتكتمل معركتها بالصوت والصورة التي تُشهّر هزائم الاحتلال، وتفتح مساراً دعائياً واعلامياً يُضاعف من أثر الضربة الميدانية. هذا يُعيد قراءة الميادين، ويُظهر أن “السيطرة الجوية” المعلنة لا تُعدّ سوى قدرة إعلامية، وليس أداة قرار ميداني،_when تُصبح السماء空间 مسرحاً لاستراتيجية المقاومة، وتصبح الأرض محيطة مفتوحة للاستدراج والكمائن، وفق منطق “البحر البشري”: أي أنّ كل ممر مفتوح، وفرصة للانقضاض، ومقبرة متحرّكة.

و يرى مراقبون ان ما يجري في جنوب لبنان يُعدّ ملحمة دفاعية تُقدّم رسالة واضحة للمنطقة: أنّ مسار المواجهة، إنْ وُجّه بوعي وتنسيق وإرادة، قادر على تحويل “الاحتلال الذي لا يُهزم” إلى قوة مُنهكة، وقابِلةٍ للانسحاب، وقابلةٍ للاستنزاف، وقابِلةٍ للاستبدال بمعادلة جديدة تُعيد ترتيب ميزان القوة لصالح الشعب المقاوم، وتصنع من جنوب لبنان مثالاً يُحتذى للدفاع عن التراب، وحماية الأبرياء، ووقف العدوان، حتى لو بدت التفاصيل اليومية مكلفة، فإنّ النتيجة الأخيرة تُعدّ تدميراً للخرافة، وولادةً جديدة لواقعٍ يُعيد الاعتبار لقوة المقاومة، وكرامة الأمة.


اكتشاف المزيد من مآلات ميديا

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.