م. فؤاد أبوراس / مآلات ميديا:
منذ اللحظة التي فشلت فيها مفاوضات إسلام آباد، وأعلن ترامب إغلاق مضيق هرمز، تحوّلت الحرب على إيران من مغامرة عسكرية أمريكية جديدة إلى اختبار تاريخي لمكانة الولايات المتحدة نفسها، ليس في عيون الخصوم فقط، بل في عيون حلفائها وصحفها ومراكز فكرها. هذه المرة، لم يأتِ الاتهام بـ”الهزيمة” والتهور” من طهران أو من محور المقاومة، بل من قلب نيويورك وواشنطن وبروكسل، ومن أقلام كانت لعقود جزءًا من ماكينة ترويج الحروب الأمريكية لا من معسكر خصومها.
في 12 نيسان/أبريل، نشرت نيويورك تايمز افتتاحية لهيئة التحرير، لخصتها India Today بعنوان يفضح المضمون: “حرب إيران الطائشة وضعت الولايات المتحدة على عتبة هزيمة استراتيجية”؛ الافتتاحية تهاجم ترامب لأنه جرّ البلاد إلى حرب اختيارية بلا تفويض من الكونغرس، وبلا تحالف دولي حقيقي، وبلا خطة خروج من المستنقع الذي صنعه بيده. تتهمه بأنه باع للأمريكيين وهم “تحقيق الأهداف العسكرية” بينما الواقع على الأرض – هرمز المغلق، أسعار الطاقة المشتعلة، واستنزاف المخزونات – يكشف أن واشنطن لم تحقّق إلا تقويضًا لردعها التقليدي وتصدّعًا في ثقة حلفائها. هذه شهادة إدانة صادرة من صحيفة المؤسسة الليبرالية الأشهر في أمريكا، لا من صحيفة معادية أو هامشية.

مجلة تايم، في تقرير مطوّل بتاريخ 2 نيسان/أبريل بعنوان “داخل بحث ترامب عن مخرج من حرب إيران”، تفتح نافذة على الغرف المغلقة في البيت الأبيض: استطلاعات داخلية تظهر أن أغلبية الأمريكيين ترفض الحرب، وأن قفزة البنزين فوق أربعة دولارات بدأت تهدد شعبية الرئيس وحزبه، وأن الأسواق تتصرّف على أساس واقع حرب طويلة لا “ضربة جراحية” عابرة. يكشف التقرير أن ترامب لا يبحث عن “نصر جديد” بقدر ما يبحث عن “مخرج” يبيعه داخليًا، بعد أن اصطدمت مغامرته بصلابة الموقف الإيراني وبالورقة الاستراتيجية التي اسمها هرمز، حيث نجحت طهران في شل شريان الطاقة العالمي بكلفة عسكرية واقتصادية أقل بكثير من الكلفة التي تدفعها واشنطن وحلفاؤها.
أشدّ العبارات قسوة جاءت من مجلة The New Republic، التي خصّصت في 7–9 نيسان/أبريل مقالًا بعنوان “الإذلال المذهل لترامب في إيران”؛ يبدأ الكاتب من تهديد ترامب بأن “حضارة إيران كاملة ستموت” إذا لم يُفتَح المضيق قبل الثامنة مساءً، ثم يقرأ هذا التهديد لا كعلامة قوة، بل كعلامة يأس لشخص مستعد ليقول أخطر ما نطق به رئيس أمريكي من أجل انتزاع صفقة بأي ثمن. يشرح المقال أن قبول الإدارة بإطار المقترح الإيراني ذي البنود العشرة كـ”أساس قابل للتفاوض” يعني أن واشنطن باتت تتعامل بجدية مع مطالب كانت تُعدّ قبل الحرب ضربًا من الخيال: سيطرة إيرانية كاملة على هرمز، فرض رسوم مرور تصل إلى مليوني دولار لكل سفينة تُتقاسم مع عُمان، استمرار تخصيب اليورانيوم للاستخدام المدني، رفع العقوبات، تعهد بعدم الاعتداء مستقبلًا، وحتى دفع تعويضات عن الدمار. ثم يخلص إلى أن حرب إيران لا تبدو فقط “إذلالًا صادمًا”، بل ربما “أكبر خطأ استراتيجي في التاريخ العسكري الأمريكي”، لأنها منحت إيران قدرة على تعطيل أحد أعمدة القوة الأمريكية: السيطرة البحرية على ممرات التجارة العالمية.
في 8–9 نيسان/أبريل، نشرت بوسطن غلوب مقالًا – منقولًا عن نيويورك تايمز الدولية – بعنوان “وقف إطلاق النار الآن في إيران، لكن ضربة للمصداقية الأمريكية”؛ يقارن الكاتب بين هذه الحرب وأزمة السويس 1956، ويتساءل صراحة: هل نعيش لحظة السويس الأمريكية؟ أي اللحظة التي تُكتشف فيها حدود الإمبراطورية أمام العالم كله. يوضح النص أن وقف القصف لم يغيّر حقيقة أن إيران خرجت من الجولة الأولى مسيطرة على مستقبل هرمز، وأن برنامجها النووي والصاروخي لم يُسحق، وأن ما تبقى لواشنطن هو صورة قوة مربكة تهدد بالإبادة ثم تعود للقبول بمفاوضات على أساس ورقة وضعتها طهران. بهذا المعنى، يرى المقال أن أكبر ضحية للحرب ليست الدبابات والطائرات، بل “أسطورة أمريكا كلّي القدرة”، وأن أثر الحرب على شرعية الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة أعمق من أثرها على أي هدف تكتيكي قصير الأمد.
في الجانب الأوروبي، لم يكتفِ المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية – وهو مركز فكر معتبر – بوصف الحرب بأنها خطأ، بل سمّاها في تحليل 4 آذار/مارس “حربًا غير قانونية” و”حرب اختيار”، ودعا الأوروبيين إلى الوقوف في وجهها لا إلى جرّ بلادهم إلى المشاركة فيها. ينتقد الكاتب ازدواجية برلين التي تخطب مطولًا عن القانون الدولي في أوكرانيا ثم “تبلع لسانها” أمام مغامرة أمريكية‑إسرائيلية في إيران، ويشيد بموقف مدريد التي وصفت الحرب بأنها تفتقر إلى استراتيجية فعّالة وترفض استخدام قواعدها في الضربات. الأهم أن التحليل يحذّر من أن انهيار الدولة الإيرانية – إذا تحقق حلم تغيير النظام – سيعني موجة لجوء وفوضى جديدة، وأن المستفيد الأكبر من الحرب هم موسكو وبكين اللتان تجنيان أرباح ارتفاع أسعار الطاقة وانشغال واشنطن بحرب استنزاف في غرب آسيا.
يورونيوز، في 6–7 آذار/مارس، ذهبت إلى زاوية أخرى: كيف أربكت حرب ترامب معسكر اليمين المتطرف في أوروبا نفسه. التقرير يبيّن أن أحزابًا قومية وشعبوية اعتادت التماهي مع ترامب تجد نفسها الآن بين مطرقة ولائها الرمزي له وسندان قواعدها الشعبية التي تخشى البنزين الغالي والمهاجرين الجدد؛ فيُظهر مثلًا محاولة حكومة أوربان في المجر التخفيف من وصف الحرب بوصفها مجرد “إغلاق ملف قديم”، بينما يحذّر آخرون في ألمانيا وفرنسا من كارثة لجوء جديدة إذا انهارت إيران أو حُوصرت حتى الاختناق. بهذا، تصبح حرب ترامب على إيران عامل انقسام حتى داخل خندقه الأيديولوجي، لا فقط بينه وبين خصومه الليبراليين.
أما داخل الولايات المتحدة، فتأتي الافتتاحيات الإقليمية لتضرب في العمق الاقتصادي والاجتماعي للحرب. افتتاحية موزَّعة عبر Arcamax في 17 نيسان/أبريل بعنوان “أمريكا ليست مستعدة لحرب طويلة في إيران” تقول بوضوح إن مطالبة ترامب بـ”استسلام غير مشروط” للنظام الإيراني تعني عمليًا الحديث عن غزو بري واحتلال طويل، في وقت لا يحتمل فيه الاقتصاد الأمريكي صدمة نفطية جديدة ولا مزيدًا من تريليونات الحروب. الافتتاحية ترسم لوحة قاتمة: بنزين فوق أربعة وربما خمسة دولارات، اضطراب في سلاسل الإمداد، توتّر في سوق العمل، وإدارة تتعامل مع الحرب كفيلم دعائي، تقلّب فيه لقطات القصف على الشاشات كما لو كان طفلًا يلعب بلعبة فيديو، بدل أن تقدّم للأمريكيين تعريفًا واضحًا للنصر أو لخطة الخروج.
وحتى في معسكر الإعلام المستقل، هناك من ذهب خطوة أبعد في النقد؛ تقرير FAIR المنشور عبر RadioFree في 13 آذار/مارس بعنوان “الصحف الأمريكية الكبرى تدافع عن ما لا يمكن الدفاع عنه في العدوان على إيران” لا يكتفي بمهاجمة ترامب، بل يهاجم أيضًا نيويورك تايمز وواشنطن بوست وول ستريت جورنال نفسها، متهمًا إياها بأنها قبلت بالحرب كأمر مشروع، واختلفت فقط حول كيفية إدارتها. يقتبس التقرير عن وول ستريت جورنال اعتبارها الحرب “نجاحًا باهرًا” في أيامها الأولى وتحذيرها من أن “أكبر خطأ قد يرتكبه ترامب هو إنهاؤها مبكرًا”، ويلاحظ أن انتقاد التايمز ووَاشنطن بوست انحصر في التفاصيل الإجرائية، بينما ظلّ الافتراض الضمني هو وجوب تحقيق “نتيجة ناجحة” للحرب، لا رفض الحرب من حيث المبدأ.
إذا جمعنا هذه الشهادات معًا، يتضح أن المحاكمة الحقيقية لحرب ترامب على إيران تجري في الصحف الغربية نفسها: نيويورك تايمز تتحدث عن “هزيمة استراتيجية”، تايم تكشف رئيسًا محاصرًا بالأرقام يبحث عن مخرج، نيو ريببلك تصف المشهد بـ”الإذلال التاريخي” وربما “أكبر خطأ استراتيجي”، بوسطن غلوب تكتب عن لحظة سويس أمريكية، المراكز الأوروبية تحذّر من “حرب غير قانونية”، الصحافة الإقليمية الأمريكية تعلن أن البلاد غير مستعدة لحرب طويلة، والمنصات المستقلة تفضح تغطية الصحف الكبرى نفسها.
في المقابل، ماذا فعلت إيران؟ لم تذهب لتستعرض حالة خطابية فارغة، بل استخدمت ما تملكه: الجغرافيا، الصواريخ، والمسيّرات. أغلق هرمز أو كاد، قفزت أسعار الطاقة، ارتبك الغرب، ثم جلست طهران إلى طاولة التفاوض وهي تمسك بورقة ممر يمرّ منه نحو خمس النفط العالمي، في حين يقف ترامب أمام رأيه العام يفسّر لماذا أعلن حربًا بلا تفويض ولا خطة ثم انتهى إلى قبول ورقة إيرانية كـ”أساس قابل للتفاوض”. هذا وحده كافٍ ليُفهم أن ميزان القوة لم يعد كما كان، وأن من يملك القدرة على خنق المضيق يملك اليوم سلاح ردع لا يقل أثرًا عن أي رأس نووي.
بهذا المعنى، لا يحتاج أي شخص عادي إلى أن يضيف الكثير من عنده؛ يكفي أن يضع عناوين هذه الصحف جنبًا إلى جنب: “هزيمة استراتيجية”، “إذلال مذهل”، “ضربة للمصداقية الأمريكية”، “حرب غير قانونية”، “أمريكا ليست مستعدة لحرب طويلة”، ثم يسأل ببساطة: إذا كانت صحافة واشنطن ولندن وبروكسل تقول إن حرب ترامب على إيران كانت مقامرة خاسرة، فمن الذي خرج من هذه الجولة وهو أكثر ثقة بنفسه؟ من الذي يفرض الآن شروط مرور السفن، ومن الذي يلهث خلف “مخرج مشرّف” من حرب كان يظنها نزهة أخرى في الصحراء؟
اكتشاف المزيد من مآلات ميديا
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.




















