مآلات ميديا – متابعات :
في مشهدٍ يتجاوز حدود التوتر التقليدي في الخليج، يتصاعد الاشتباك العسكري بين الولايات المتحدة وإيران ليأخذ طابع اختبارٍ عميق لمكانة واشنطن في النظام الدولي، حيث لم يعد الأمر مجرد مواجهة محدودة، بل بات انعكاسًا مباشرًا لقدرة القوة الأمريكية على الحفاظ على توازنها الاستراتيجي في أكثر من جبهة. المعطيات المتداولة في تقارير تحليلية غربية، من بينها ما نشرته مجلة ذا أتلانتيك، إلى جانب تقديرات مراكز أبحاث عسكرية، تشير إلى أن إدارة دونالد ترامب تواجه نمطًا مركبًا من الاستنزاف، لا يقتصر على الموارد المالية أو الزخم السياسي، بل يمتد ليطال جوهر التفوق العسكري الأمريكي، خصوصًا في منظومات الصواريخ وخطط الدفاع عن الحلفاء في أوروبا وآسيا.
داخل أروقة البيت الأبيض، تتكشف ملامح خلاف غير معلن، يقوده نائب الرئيس جي دي فانس، الذي يُبدي قلقًا متزايدًا من الرواية الرسمية التي يقدمها البنتاغون بشأن سير العمليات. فانس، بحسب تسريبات متقاطعة، لا يكتفي بالتشكيك في التقييمات المتفائلة، بل يذهب إلى أبعد من ذلك حين يرى أن هذه الرواية قد تُخفي وتيرة استنزاف مرتفعة في مخزونات الصواريخ الاستراتيجية، بما في ذلك أنظمة مثل صواريخ توماهوك، ومنظومات باتريوت PAC-3، ومنظومة ثاد THAAD، وصواريخ إس إم-3، وهي منظومات صُممت أساسًا كركائز ردع في سيناريوهات أكثر خطورة تتعلق بالصين وروسيا وكوريا الشمالية.
المعضلة لا تتوقف عند حدود الاستهلاك الراهن، إذ تشير تقديرات مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية إلى أن إعادة بناء هذه المخزونات قد تستغرق ما بين عام وأربعة أعوام، وهو أفق زمني طويل في بيئة دولية تتسارع فيها احتمالات الصدام بين القوى الكبرى. هذا التأخر ينعكس مباشرة على قدرة واشنطن على الوفاء بالتزاماتها الدفاعية، خصوصًا تجاه تايوان وأوروبا الشرقية، في حال حدوث تصعيد متزامن على أكثر من جبهة.
في المقابل، تكشف القراءة الميدانية للوضع داخل إيران أن الصورة أبعد ما تكون عن “الحسم السريع” الذي يُروَّج له. فالتقديرات الاستخباراتية تشير إلى احتفاظ طهران بجزء معتبر من قدراتها الجوية والصاروخية، إلى جانب أدوات ضغط فعالة في الخليج، ما يبقي مضيق مضيق هرمز نقطة توتر قابلة للاشتعال في أي لحظة. هذا الواقع يعزز فرضية أن ما يجري ليس حرب ضربات محدودة، بل مسار استنزافي طويل قد يعيد تشكيل معادلات الطاقة والتجارة العالمية.
في هذا السياق، تتبلور رؤية فانس التي ترى أن واشنطن تعيد إنتاج أخطاء تاريخية، حين تنخرط في صراعات مفتوحة تتجاوز أهدافها الأولية، وتتحول تدريجيًا إلى عبء استراتيجي. فبينما تنشغل الولايات المتحدة بجبهة الشرق الأوسط، تجد كل من روسيا والصين مساحة أوسع لإعادة ترتيب نفوذهما، مستفيدتين من أي فراغ نسبي في القدرات الأمريكية. هذا التحول لا يُقاس فقط بمؤشرات القوة الصلبة، بل أيضًا بمدى ثقة الحلفاء في استدامة المظلة الأمنية الأمريكية.
وراء هذا المشهد، يلوح صراع داخلي أكثر تعقيدًا داخل المؤسسات الأمريكية، بين منطق المؤسسة العسكرية التي تميل إلى طمأنة القيادة السياسية، ومنطق التيار التحذيري الذي يمثله فانس، الداعي إلى مراجعة عميقة للأولويات. هذا التباين يعكس حساسية اللحظة، حيث يحاول نائب الرئيس التأثير في مسار القرار دون تفجير أزمة داخلية، بينما تستمر المؤسسة الدفاعية في التأكيد على متانة المخزونات وفعالية العمليات.
في المحصلة، تتقاطع السيناريوهات عند مفترق حاسم: إما أن تنجح الأصوات الداعية إلى ضبط الإيقاع في فرض إعادة ترتيب الأولويات، بما يعيد توجيه الجهد نحو الجبهات الأكثر حساسية، أو أن تستمر واشنطن في استنزاف مخزونها الاستراتيجي في صراع مفتوح، بما يمنح خصومها فرصة تاريخية لإعادة تشكيل ميزان القوى العالمي. وفي الحالتين، لم تعد مخزونات الصواريخ مجرد أرقام عسكرية، بل تحولت إلى مؤشر حاسم على قدرة الولايات المتحدة على الحفاظ على موقعها كقوة مهيمنة.
يبقى السؤال الأكثر إلحاحًا: هل يستطيع جي دي فانس أن ينتقل من موقع التحذير إلى موقع التأثير الفعلي في رسم المسار، أم أن تعقيدات القرار داخل واشنطن ستبقيه أسير دور “الناصح” في لحظة تتطلب حسمًا استراتيجيًا؟ وبين هذا وذاك، يظل المشهد مفتوحًا على احتمال أكثر قسوة: أن تجد الولايات المتحدة نفسها وقد استهلكت جزءًا معتبرًا من أدوات ردعها في معركة لم تُحسم، بينما تلوح في الأفق مواجهات أشد وطأة وأكثر تكلفة.
اكتشاف المزيد من مآلات ميديا
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.




















