مآلات ميديا – متابعات:
في ظل التصعيد الحذر الذي تشهده منطقة الخليج، تبرز التصريحات الأخيرة لوزير الخارجية الإيراني كجزء من مقاربة سياسية تسعى إلى إعادة تأطير الصراع بعيداً عن المسار العسكري، مع تحميل الولايات المتحدة وحلفائها مسؤولية دفع المنطقة نحو حافة الانفجار. التحذير الإيراني من “الانجرار إلى مستنقع بفعل أطراف سيئة النية” لا يأتي بمعزل عن سياق أوسع، تشير فيه طهران إلى وجود قوى تعمل على تقويض مسار التهدئة، رغم التقدم النسبي في قنوات التفاوض. الرسالة الإيرانية هنا تتجاوز البعد التحذيري إلى تقديم قراءة استراتيجية مفادها أن أي تصعيد في الخليج لن يكون قابلاً للاحتواء بسهولة، بل قد يتحول إلى استنزاف طويل يطال الجميع، خاصة في ظل تشابك المصالح الاقتصادية وأهمية الممرات المائية الحيوية. ومن هذا المنطلق، تحاول طهران الظهور كطرف يدعو إلى تجنب التصعيد، مقابل تصوير التحركات الأمريكية، بما فيها ما يُعرف بـ”مشروع الحرية”، كسياسات غير واقعية تصطدم بحدود القوة على الأرض. وصف هذا المشروع بأنه “طريق مسدود” يعكس قناعة إيرانية بأن محاولات فرض حرية الملاحة بالقوة العسكرية لم تعد قابلة للتطبيق دون كلفة باهظة، خصوصاً بعد سلسلة من الأحداث التي أظهرت قدرة إيران على التأثير المباشر في أمن مضيق هرمز. فبالنسبة لطهران، لم تعد المعادلة قائمة على من يمتلك التفوق العسكري فقط، بل على من يستطيع فرض توازن ردع يجعل أي مغامرة عسكرية غير مجدية. الإشارة إلى أن أحداث مضيق هرمز تثبت “غياب الحل العسكري” تمثل جوهر الخطاب الإيراني في هذه المرحلة، حيث تسعى طهران إلى نقل الصراع من ساحة المواجهة المباشرة إلى طاولة التفاوض، ولكن من موقع قوة نسبية. فالتصعيد المحدود، وفق هذه الرؤية، ليس هدفاً بحد ذاته، بل أداة لإثبات أن البدائل العسكرية غير قادرة على حسم النزاع، وأن الحل السياسي هو المسار الوحيد القابل للاستمرار. في المقابل، تحمل هذه التصريحات أيضاً رسالة ضمنية إلى دول الخليج، وعلى رأسها الإمارات، مفادها أن الانخراط في أي ترتيبات أمنية تقودها واشنطن قد يضعها في قلب التوتر، بدلاً من أن يوفر لها الحماية. وهنا تحاول إيران تقديم نفسها كطرف يمكن التفاهم معه إقليمياً، مقابل تصوير الوجود الأمريكي كعامل عدم استقرار. ضمن هذا السياق، يبدو أن طهران تدير معركة مزدوجة: ميدانياً عبر تثبيت معادلات ردع جديدة، وسياسياً عبر الدفع نحو الاعتراف بأن التوازنات الإقليمية لا يمكن فرضها بالقوة. وبين هذين المسارين، تتشكل ملامح مرحلة جديدة عنوانها الأساسي أن القوة وحدها لم تعد كافية، وأن كلفة تجاهل المسار السياسي باتت أعلى من أي وقت مضى.
اكتشاف المزيد من مآلات ميديا
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.




















