مآلات ميديا – متابعات :
دعا أكثر من 400 وزير وسفير ومسؤول أوروبي سابق، في رسالة مفتوحة وجهت إلى قادة الاتحاد الأوروبي اليوم الأربعاء، إلى “التحرك الآن” لمواجهة ما وصفوه “الضم غير القانوني” الذي تقوم به “إسرائيل” في الضفة الغربية المحتلة، عبر مشروع E1 (شرق 1) الذي يرمي إلى بناء ألفين وربع وحدة سكنية استيطانية تضمّ ما يقارب 15 ألف مستوطن على مساحة تقارب 12 كيلومتراً مربعاً شرق القدس المحتلة. ويؤكد الموقعون، وعددهم 448، وبينهم نائب رئيس المفوضية الأوروبية السابق جوزيب بوريل ورئيس الوزراء البلجيكي السابق غي فيرهوفشتات، أن الحكومة الإسرائيلية تعتزم في الأول من حزيران/يونيو طرح مناقصات مفصلة لتطوير المنطقة التي يشملها هذا المشروع، ما يعني أن خطوة التثبيت على الأرض توشك أن تتحول إلى واقع مادي لا يُمكن عكسه بسهولة.

من الناحية القانونية والسياسية، يرى الموقعون أن استكمال E1 يشكل ضربةً قاسية لمشروع “الحلّ الاستراتيجي” القائم على حلّ الدولتين، لأن هذا المشروع يربط المستوطنة الكبيرة ماآلة أدوميم مباشرة بقدس المحتلة، ويخترق الضفة الغربية من الشرق، ما يؤدي فعلياً إلى قطع الاتصال الجغرافي بين الضفة الشمالية والجنوبية، ويُمعن في عزل القدس الشرقية عن بقية المدن الفلسطينية الكبرى مثل رام الله وبيت لحم. كما يشكل تطوراً نوعياً في المشروع الاستيطاني، لأنه لا يكتفي بتوسيع كتل الاستيطان القائمة، بل يرسّخ مبدأ “الاستيلاء الممنهج” على الأراضي الزراعية والمرتفعات الحيوية شرق القدس، ما يرسّخ خطوط ضمّ فعلي لكنها غير معلنة رسمياً تحت قانون الاحتلال.

البلاغ الأوروبي يكشف أن هناك قطاعاً واسعاً من النخبة السياسية والدبلوماسية السابقة التي ترى أن ما يجري في الضفة ليس مجرد “توسيع استيطاني روتيني”، بل محاولة لفرض ترتيب جغرافي–ديمغرافي جديد يُزيل إمكانية إقامة دولة فلسطينية ذات حدود متصلة وقابلة للحياة. لذلك يطالب الموقعون الاتحاد الأوروبي ودوله الأعضاء، بالتعاون مع شركاء دوليين، باعتماد خطوات فورية تشمل فرض عقوبات موجهة، مثل منع دخول أو تجميد أصول وتأشيرات الأفراد والكيانات المرتبطة بالاستيطان، وإعادة النظر في اتفاق الشراكة بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل، وتعليق الصادرات الدفاعية والتجارية المرتبطة بالمخططات الاستيطانية، خاصة تلك المتصلة بمناقصات E1. وهذه المقترحات إن لم تُجرَّب بجدية، فإنها تبقى في مستوى “التحذير الأخلاقي” لا في مستوى “الردع العملي” الذي كان يفترض أن يمنع تكرار خطوات مشابهة في ماضٍ قريب.

عسكرياً وسياسياً، فإن توقيت الرسالة لا يقل أهمية عن مضمونها؛ فالاتحاد الأوروبي يناقش على مستوى السياسة الخارجية والشؤون الأمنية تدابير محددة ضد الاستيطان، فيما تواصل إسرائيل، بدعم مجموعات يمينية صهيونية، دفع خطتها العمرانية في الضفة والقدس الشرقية إلى الأمام، مدعيةً أن الإجراءات الأوروبية “لا تُغيّر معادلة القوة على الأرض”. وبهذا المعنى، فإن حملة الموقعين تُعدّ محاولة لاستغلال الثقل الرمزي لكبار الساسة السابقين، كي يُترجم الإدانة الشفوية إلى مقوّمات ضغط ملموسة: من رسوم جمركية متفاوتة على المنتجات القادمة من المستوطنات، إلى تقييد مشاركتها في برامج تمويل الاتحاد الأوروبي، وصولاً إلى تقييد الصادرات العسكرية إليها.

من زاوية تحليلية أعمق، فإن هذه المبادرة تكشف عن تصدّعات داخل النخبة الأوروبية نفسها؛ فبينما تظل بعض العواصم مترددة في اتخاذ خطوات ملموسة خشية الانعكاسات الاقتصادية والسياسية على إسرائيل، يرى قطاع آخر من المطلعين السابقين أن الصمت أو التحذيرات اللفظية لم يعد يكفي، خصوصاً بعد أن تحوّل الاستيطان إلى “آلية ضمّ هادئة” تُعيد رسم الخريطة دون إعلان رسمي. كما أن اختيار E1 بالذات كرمز لهذا الجهد يعكس إدراكاً بأن هذا المحور هو العقدة الجغرافية–السياسية الحاسمة: فهو يقطع الضفة، يُعدّل توازن المدن، ويُضعف أي قدرة فلسطينية على التفاوض من موقع يملك قاعدة جغرافية وديمغرافية قابلة للبناء عليها.

أما المآلات المحتملة لهذا الموقف الأوروبي الجديد، فتتراوح بين ثلاثة سيناريوهات رئيسية: الأول، أن يُسفر الضغط الشعبي والدبلوماسي الداخلي عن تبنّي قرار رسمي في مجلس الشؤون الخارجية الأوروبي يفرض مجموعة من العقوبات والقيود على الاستيطان، ما يُعيد رسم موازين القوة بين الموقف السياسي الشكلي والمقصّد، وبين الموقف الميداني الإسرائيلي. الثاني، أن يبقى القرار الأوروبي حبيس الصياغة الإدانية، فيستفيد الطرف الإسرائيلي من هذا الفراغ لتنفيذ المناقصات والاستمرار في حفر الأخاديد والبنى التحتية الخاصة بـE1، ما يُقرب نقطة اللا رجعة جغرافياً وقانونياً. الثالث، أن يدفع هذا التحرك الأوروبي النخبة السياسية الفلسطينية، والدول العربية والإقليمية، إلى تنسيق مبادرات مماثلة أمام الأمم المتحدة ومجلس حقوق الإنسان، ما قد يُحوّل E1 إلى قضية دولية رسمية تُفرض فيها التزامات قانونية إضافية على إسرائيل، وربما يُستجاب لها إذا توافق الضغط الدبلوماسي مع تحركات شعبية ومجتمعية دولية.


اكتشاف المزيد من مآلات ميديا

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.