مآلات ميديا – مآلات محلية :
تعود تعز إلى واجهة القلق الصحي مع تداول واسع لحالات حمى مرتفعة لا تكشفها التحاليل الروتينية بسهولة، في مشهد لا يجوز التعامل معه كعارض موسمي عابر، بل كإشارة وبائية تحتاج إلى ترصد منظم، وفحوصات أوسع، ورسالة طبية واضحة تمنع تحويل المسكنات إلى بديل عن التشخيص. وفي المعطيات المتاحة، لا يظهر الأمر معزولاً عن سياق أوسع، إذ تؤكد منظمة الصحة العالمية أن اليمن يواجه في 2026 أوبئة متزامنة تشمل الكوليرا والحصبة وحمى الضنك وشلل الأطفال، وسط ضعف في التحصين، ومياه غير آمنة، ونزوح، ومحدودية الوصول إلى الرعاية الصحية.

وتكتسب هذه الحمى حساسية خاصة في تعز لأنها تأتي فوق أرض وبائية مرهقة؛ فقد سجل مكتب الصحة في المحافظة، بحسب تقرير نشره يمن مونيتور في يوليو 2025، أكثر من أربعة آلاف حالة من الأمراض الوبائية منذ بداية ذلك العام، بينها 1,600 حالة إسهالات مائية حادة وكوليرا، و1,246 حالة اشتباه بالحصبة، و1,950 حالة حميات شملت حمى الضنك والليبتوسبيرا وحمى الوادي المتصدع مع وفاة مرتبطة بالحميات. وهذا يعني أن الحمى الحالية، حتى إن بدت “مجهولة” في نتائج الفحوصات الأولية، تتحرك داخل بيئة سبق أن عرفت تداخلاً بين أمراض فيروسية وبكتيرية وطفيلية ومنقولة بالبعوض، لا داخل فراغ تشخيصي منفصل.

ومن هنا يصبح وصف “التحاليل طبيعية” بداية السؤال لا نهايته، لأن الحمى مجهولة المنشأ، وفق التعريف الطبي، قد تكون حرارة تبلغ 38.3 درجة مئوية أو أكثر وتستمر من دون تشخيص واضح رغم التقييم، وقد تتطلب فحوصات متدرجة تشمل صورة الدم، وظائف الكبد والكلى، مزروعات الدم والبول، مؤشرات الالتهاب، صور الصدر، واختبارات موجهة بحسب التاريخ المرضي والتعرضات البيئية. كما أن بعض الأمراض التي ذُكرت في المطالبات المحلية، مثل الريكتسيا، قد تعطي نتائج سلبية في الأيام الأولى، إذ تقول مراكز مكافحة الأمراض الأميركية إن 85% من المرضى قد لا تظهر لديهم الأجسام المضادة خلال الأسبوع الأول، وإن النتيجة السلبية المبكرة لا تنفي المرض.

وبذلك لا يصبح المطلوب تهويل المشهد ولا تبسيطه، بل وضعه في مكانه الصحيح: موجة حميات تحتاج إلى مركز حميات وأمراض معدية قادر على التفريق بين الضنك والملاريا والليبتوسبيرا والريكتسيا والعدوى التنفسية والكوليرا ومسببات أخرى بحسب الأعراض والتعرضات. فالليبتوسبيرا، على سبيل المثال، قد تظهر بحمى وآلام عضلية وصداع وغثيان وقيء وإسهال واصفرار، وقد تتطور في الحالات غير المعالجة إلى فشل كلوي أو كبدي أو التهاب سحايا، كما أن تشخيصها يعتمد على كشف الحمض النووي أو الاستجابة المناعية في التوقيت المناسب. أما الليجيونيلا فتدخل في التفريق عندما تكون الحمى مصحوبة بسعال أو ضيق تنفس أو أعراض التهاب رئوي، ويتطلب إثباتها فحوصاً مثل اختبار البول أو عينات البلغم مع صورة صدرية عند الاشتباه.

وتزداد خطورة المشهد حين تتحول الحمى إلى سباق فردي مع المسكنات، لأن خفض الحرارة لا يساوي علاج السبب، ولأن الإفراط في الباراسيتامول قد يفتح باباً أشد خطراً من الحمى نفسها. وتؤكد Mayo Clinic أن الجرعة الزائدة من الأسيتامينوفين، المعروف خارج الولايات المتحدة باسم الباراسيتامول، قد تسبب فشلاً كبدياً حاداً بعد جرعة كبيرة واحدة أو بعد تناول جرعات أعلى من الموصى بها يومياً لعدة أيام. لذلك فإن الرسالة الطبية الأهم للناس ليست الامتناع عن خافض الحرارة عند الحاجة، بل عدم تكراره عشوائياً، وعدم الجمع بين أدوية تحتوي المادة نفسها، ومراجعة الطبيب عند استمرار الحرارة أو ظهور قيء شديد أو اصفرار أو اضطراب وعي أو نزف أو ضيق تنفس.

وتكشف تعز، مرة أخرى، أن المرض ليس كائناً بيولوجياً فقط، بل نتيجة تفاعل بين البيئة والحرب والمختبر والبلدية وثقة الناس بالمؤسسات. ففي تقرير محلي سابق عن الحميات في تعز، ربط أطباء ومسؤولو ترصد انتشار حمى الضنك والحميات بتراكم النفايات والمياه الراكدة وتكاثر البعوض، وسُجلت في سبتمبر وأكتوبر 2024 وحدهما 1,132 حالة حميات في مدينة تعز، مع ارتفاع حالات الضنك اليومية من 6 أو 7 حالات إلى 20 أو 30 حالة، بعضها يدخل بمضاعفات ونقص صفائح ويحتاج إلى عناية مركزة. وهذا الربط مهم لأن أي حملة صحية تكتفي بالعيادات ولا تصل إلى المياه المكشوفة والإطارات والخزانات والنفايات ستبقى تطارد النتائج وتترك الأسباب في الشوارع.

والذاكرة الوبائية للمحافظة تؤيد هذه القراءة، إذ أظهرت دراسة علمية عن تفشي حمى الضنك في تعز أثناء الحرب أن نحو 51% من 436 مريضاً اشتُبه بإصابتهم بالضنك بين يوليو وأكتوبر 2016 كانت لديهم عدوى ضنك حادة، وأن تضرر البنية الصحية أثناء الحرب قد يساعد على ترسخ المرض في اليمن. كما أشارت الدراسة إلى أن مرضى الحمى غير المصابين بالضنك قد تكون لديهم عدوى أخرى مثل الشيكونغونيا أو الملاريا، ما يعزز ضرورة توسيع التشخيص وعدم حصر كل حرارة في مسمى واحد.

وعليه، فإن مآلات الحدث ستتحدد في الأيام المقبلة بقدرة الجهات الصحية على الانتقال من استقبال الحالات إلى هندسة الاستجابة: إعلان ترصد يومي، تحديد بؤر الإصابات، فرز الحالات بحسب الأعراض، توفير فحوصات نوعية للأمراض المنقولة بالماء والبعوض والقوارض والقراد، وضبط صرف المسكنات والمضادات. وتؤكد منظمة الصحة العالمية أنها دعمت في اليمن الترصد الحشري، وأدوية الملاريا والضنك، والفحوصات السريعة، واختبارات جزيئية للكوليرا والدفتيريا والضنك وتهديدات تنفسية ومنقولة بالمفصليات، إضافة إلى دعم فرق الاستجابة السريعة ونظام الإنذار الوبائي. غير أن قيمة هذا الدعم ستظل مرهونة بترجمته محلياً إلى مركز حميات عامل في تعز، لا يكتفي بالتحاليل التقليدية، بل يربط المختبر بالترصد الميداني وبالقرار البلدي وبالتوعية المجتمعية.

هكذا تبدو “حمى تعز المجهولة” أقل غموضاً في معناها الاستراتيجي، حتى إن بقي سبب بعض الحالات غير محسوم مخبرياً: إنها اختبار مبكر لقدرة مدينة أنهكتها الحرب والأوبئة على ألا تترك المرضى بين حرارة مرتفعة ومسكن متكرر وتحليل لا يقول كل شيء. وإذا تحركت السلطات الصحية سريعاً، فقد تتحول الموجة إلى فرصة لبناء نظام إنذار وتشخيص أكثر كفاءة؛ أما إذا تُركت للارتجال، فقد تصبح الحمى عنواناً جديداً لفجوة قديمة بين ما يعرفه الأطباء وما تستطيع المرافق الصحية إثباته في الوقت المناسب.


اكتشاف المزيد من مآلات ميديا

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.