مآلات ميديا – متابعات :
في تقرير حديث أصدره معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام، لا تبدو أرقام الإنفاق العسكري لعام 2025 مجرد مؤشرات مالية عابرة، بل تعكس تحوّلاً عميقاً في بنية النظام الدولي، حيث بلغ الإنفاق العالمي مستوى قياسياً عند 2887 مليار دولار، في استمرار لسلسلة تصاعدية دخلت عامها الحادي عشر، بما يكشف أن العالم لم يعد يتحرك وفق منطق التنمية والاستقرار، بل بات ينزلق تدريجياً نحو منطق التعبئة الشاملة وإعادة إنتاج “اقتصاد القوة”.

هذا التصاعد لا يمكن قراءته بمعزل عن طبيعة الصراعات المفتوحة، إذ تتقاطع الحرب في أوكرانيا مع التوترات في شرق آسيا، لتدفع الدول الكبرى إلى إعادة تعريف أولوياتها الوطنية، بحيث يتقدم الأمن الصلب على حساب الاستثمار في القطاعات المدنية. وفي هذا السياق، يبرز تمركز القوة بشكل لافت، حيث تستحوذ خمس دول فقط على أكثر من نصف الإنفاق العالمي، وفي مقدمتها الولايات المتحدة التي تواصل الحفاظ على فجوة نوعية وتكنولوجية هائلة، تليها الصين التي تسير بخطى ثابتة نحو إعادة تشكيل ميزان القوى في آسيا، ثم روسيا التي تخوض حرب استنزاف طويلة، وألمانيا التي تعيد عسكرة سياستها الدفاعية، والهند التي تتحرك ضمن معادلة صعود إقليمي متسارع.

غير أن القراءة الأعمق تكشف أن المسألة لم تعد مجرد سباق أرقام، بل تحوّلت إلى سباق نماذج؛ الولايات المتحدة تواصل ترسيخ تفوقها عبر تحالفات عسكرية وتكنولوجية واسعة، بينما تراهن الصين على تحديث نوعي لجيشها يواكب طموحاتها الجيوسياسية، في حين تعيد روسيا صياغة عقيدتها القتالية بالاعتماد على أدوات منخفضة التكلفة عالية التأثير مثل الطائرات المسيّرة والصواريخ قصيرة المدى، ما يغيّر طبيعة الحروب الحديثة من حيث الكلفة والفعالية.

في أوروبا، تبدو القفزة في الإنفاق الدفاعي الأكثر دلالة، إذ يعكس النمو المتسارع حالة إدراك متأخر لتهديدات الأمن الجماعي، خاصة بعد الحرب الروسية الأوكرانية التي دفعت دول القارة إلى إعادة بناء قدراتها العسكرية بوتيرة غير مسبوقة منذ نهاية الحرب الباردة. هذا التحول يعيد إحياء دور حلف شمال الأطلسي كفاعل مركزي، مع توجهات واضحة لرفع الإنفاق الدفاعي إلى مستويات قد تصل إلى 5% من الناتج المحلي مستقبلاً، وهو ما يشير إلى انتقال الحلف من حالة الردع إلى حالة الاستعداد طويل الأمد لمواجهة صراعات ممتدة.

في المقابل، تمثل آسيا وأوقيانوسيا مسرحاً موازياً لتصاعد التوتر، حيث تسعى الصين إلى تثبيت حضورها كقوة عظمى بحرية وبرية، بينما تعيد اليابان تعريف دورها العسكري بما يتجاوز القيود التقليدية، في ظل ضغوط أمريكية متزايدة لتقاسم أعباء الأمن الإقليمي. هذه التحولات تجعل من المحيط الهادئ بؤرة محتملة لصراع دولي واسع، خاصة في ظل غياب ترتيبات أمنية مستقرة.

أما في الشرق الأوسط، فإن المشهد يتخذ طابعاً أكثر تعقيداً، حيث يبرز الإنفاق العسكري السعودي كأحد أبرز مؤشرات إعادة تشكيل موازين القوى الإقليمية، ليس فقط بوصفه استجابة للتهديدات، بل كجزء من استراتيجية أوسع لتوطين الصناعات الدفاعية وتعزيز الاستقلالية العسكرية. في المقابل، تبدو إيران وكأنها تعتمد نموذجاً موازياً يقوم على التمويل غير المباشر لقدراتها العسكرية عبر برامج الصواريخ والطائرات المسيّرة، وهو ما يخلق سباق تسلح غير مرئي يفتقر إلى الشفافية ويزيد من احتمالات سوء التقدير الاستراتيجي.

هذا التباين في أنماط الإنفاق يعكس تحوّلاً في طبيعة الصراع ذاته، حيث لم يعد التفوق يقاس فقط بحجم الميزانيات، بل بقدرة الدول على توظيف الموارد بفعالية، وتطوير أدوات غير تقليدية تعيد تعريف موازين الردع. وفي هذا السياق، تتحول التكنولوجيا العسكرية، خاصة الذكاء الاصطناعي والحرب السيبرانية، إلى عامل حاسم قد يختصر الفجوات التقليدية بين الدول.

الانعكاسات الاقتصادية لهذه الطفرة العسكرية لا تقل خطورة عن أبعادها الأمنية، إذ يشير ارتفاع العبء العسكري إلى 2.5% من الناتج العالمي إلى تآكل تدريجي في الإنفاق على الصحة والتعليم والبنية التحتية، ما يهدد بإعادة إنتاج فجوات تنموية عميقة، خاصة في الدول النامية. كما أن استمرار هذا الاتجاه قد يقود إلى ترسيخ نموذج اقتصادي قائم على الصناعات العسكرية، بما يحمله من مخاطر على الاستدامة طويلة الأمد.

أما مآلات هذا المشهد، فتتجه نحو ثلاثة مسارات متوازية؛ الأول يتمثل في استمرار سباق التسلح بوتيرة متسارعة، مدفوعاً بانعدام الثقة بين القوى الكبرى، والثاني يتمثل في تآكل منظومة الحد من التسلح مع تراجع فعالية الاتفاقيات الدولية، والثالث يتمثل في اتساع رقعة النزاعات غير المباشرة، حيث تلجأ الدول إلى إدارة صراعاتها عبر وكلاء أو أدوات منخفضة الكلفة لتجنب المواجهة المباشرة.

في السياق اليمني، ينعكس هذا التحول العالمي بشكل غير مباشر عبر تعزيز القدرات العسكرية الإقليمية، ما يمنح بعض الأطراف هامشاً أكبر للمناورة، لكنه في الوقت ذاته يرفع منسوب المخاطر، خاصة إذا لم تُدار التوازنات الإقليمية بحذر. فزيادة الإنفاق الدفاعي قد توفر مظلة ردع، لكنها قد تتحول أيضاً إلى عامل تصعيد إذا ترافقت مع غياب مسارات سياسية فعالة.

في المحصلة، لا يبدو أن العالم يتجه نحو استقرار قريب، بل نحو مرحلة انتقالية تتسم بارتفاع منسوب التوتر وإعادة تشكيل قواعد اللعبة الدولية. وبينما تتسابق الدول لتعزيز قوتها، يبقى السؤال الأهم معلقاً: هل يقود هذا السباق إلى توازن يفرض الاستقرار، أم إلى لحظة انفجار تعيد رسم الخريطة العالمية على نحو أكثر عنفاً؟


اكتشاف المزيد من مآلات ميديا

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.