مآلات ميديا – متابعات :
في لحظة تبدو وكأنها إعادة ضبط دقيقة لإيقاع الصراع الدولي، برز الاتصال الهاتفي المطوّل بين فلاديمير بوتين ودونالد ترامب كإشارة لا يمكن فصلها عن التحولات الأعمق التي تضرب بنية النظام الدولي. ساعة ونصف من النقاش لم تكن مجرد تبادل مواقف، بل أقرب إلى تفاوض غير معلن حول شكل المرحلة المقبلة، حيث تداخلت ملفات أوكرانيا وإيران والشرق الأوسط ضمن سياق واحد يعكس وحدة الساحات في التفكير الاستراتيجي للقوى الكبرى.

في الملف الأوكراني، يحمل عرض موسكو لهدنة متزامنة مع احتفالات “يوم النصر” دلالة تتجاوز البعد العسكري إلى الرمزية السياسية؛ فروسيا تحاول إعادة تعريف موقعها كقوة منتصرة أخلاقياً وتاريخياً، لا مجرد طرف في حرب استنزاف. قبول ترامب السريع بهذا الطرح، والإيحاء بأن اتفاقاً بات قريباً، يكشف عن مسار تفاوضي موازٍ لم يخرج بعد إلى العلن، وربما يعكس إدراكاً أمريكياً بأن كلفة استمرار الحرب تجاوزت العوائد الممكنة، سواء على مستوى الاقتصاد أو التوازنات الأمنية في أوروبا. هنا لا تبدو الهدنة نهاية للصراع، بل إعادة تموضع تكتيكي قد يفتح الباب أمام تجميد طويل الأمد للنزاع، شبيه بنماذج “الصراعات المجمدة” التي تستخدمها القوى الكبرى لإدارة التوازن بدل حسمه.

أما في الشرق الأوسط، فقد حملت رسالة بوتين نبرة مختلفة تماماً، أقرب إلى الإنذار الاستراتيجي منها إلى التحذير الدبلوماسي. وضع خط أحمر أمام أي تصعيد ضد إيران يعني عملياً أن موسكو باتت تعتبر أمن طهران جزءاً من أمنها الاستراتيجي، وهو تحول نوعي في طبيعة التحالفات. في هذا السياق، لم يعد الحديث عن تنسيق روسي–إيراني أو حتى دعم صيني منفصل، بل عن نواة كتلة أوراسية تتقاطع فيها المصالح الأمنية والعسكرية والاقتصادية. هذه الكتلة، وإن لم تُعلن رسمياً كحلف، تعمل وفق منطق عملياتي متكامل يهدف إلى منع الانفراد الأمريكي بالقرار العالمي.

اللافت أن هذا التماسك غير المعلن يتغذى من تعددية أدواته؛ الصين تركز على بناء العمق التكنولوجي والدفاعي، وروسيا توفر الغطاء العسكري والاستخباراتي، بينما تمثل إيران نقطة ارتكاز جيوسياسية في قلب مناطق التوتر. هذا التوزيع للأدوار يعكس فهماً عميقاً لطبيعة الصراع المعاصر الذي لم يعد يُدار فقط عبر الجيوش، بل عبر شبكات النفوذ والاقتصاد والتكنولوجيا. في المقابل، يبدو أن واشنطن تعيد استخدام أدوات تقليدية مثل الضغط البحري أو التلويح بإغلاق الممرات الحيوية كـمضيق هرمز، وهي أدوات تحمل مخاطر تصعيد يصعب التحكم في تداعياته.

اقتصادياً، تتجلى آثار هذا الاشتباك الجيوسياسي بسرعة لافتة. ارتفاع أسعار الطاقة ليس مجرد انعكاس للسوق، بل نتيجة مباشرة لتآكل الثقة في استقرار الإمدادات العالمية. أي اقتراب فعلي من تعطيل طرق الطاقة أو توسيع دائرة المواجهة سيقود إلى موجات تضخم تضرب الاقتصادات الكبرى قبل غيرها، وتعيد ترتيب أولويات الدول الصناعية. في هذا الإطار، لا يمكن فصل التوترات الحالية عن التحولات داخل تكتلات مثل أوبك+، أو عن إعادة تموضع بعض الدول الخليجية التي بدأت تبحث عن هوامش استقلال أكبر في سياساتها النفطية.

سياسياً، يكشف التقارب الشخصي الظاهر بين بوتين وترامب، رغم التناقضات البنيوية بين البلدين، عن حقيقة أن العلاقات الدولية في مرحلتها الحالية تُدار أحياناً عبر قنوات شخصية موازية للمؤسسات التقليدية. هذا النمط يعكس تراجعاً نسبياً لدور الأطر متعددة الأطراف، وصعوداً لما يمكن وصفه بـ“الدبلوماسية الفردية” التي قد تسرّع القرارات، لكنها في الوقت نفسه تزيد من مستوى عدم اليقين.

أما على مستوى المآلات، فإن المشهد يتجه نحو ثلاثة سيناريوهات محتملة. الأول يتمثل في تثبيت حالة “اللا حرب واللا سلم” في أوكرانيا، بما يضمن استنزافاً منخفض الحدة دون انفجار شامل. الثاني هو احتواء التصعيد في الشرق الأوسط عبر تفاهمات غير معلنة، تحافظ على خطوط الاشتباك دون تجاوزها. أما الثالث، وهو الأكثر خطورة، فيكمن في انزلاق غير محسوب نتيجة حادثة ميدانية أو قرار سياسي متسرع، قد يدفع الأطراف إلى مواجهة أوسع تتجاوز القدرة على السيطرة.

في المحصلة، لا يبدو أن العالم يتجه نحو نهاية الصراعات، بل نحو إعادة إدارتها ضمن نظام دولي يتشكل ببطء. الاتصال بين بوتين وترامب ليس حدثاً عابراً، بل مؤشر على أن مراكز القوة تعيد رسم حدودها، وأن النظام الأحادي الذي ساد لعقود يفسح المجال تدريجياً لنظام أكثر تعقيداً، متعدد الأقطاب، تحكمه التوازنات الدقيقة أكثر مما تحكمه الهيمنة المطلقة.


اكتشاف المزيد من مآلات ميديا

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.