م. فؤاد ابوراس – مآلات ميديا :
منذ اللحظة الأولى لبدء العدوان العسكري على اليمن في مارس 2015، لم يكن ما يجري مجرد تدخل تحت عنوان استعادة “الشرعية” كما رُوِّج له سياسيًا وإعلاميًا، بل اتخذ مسارًا مركبًا كشف مع مرور الوقت عن مشروع أوسع لإعادة تشكيل التوازنات داخل بلدٍ مثقل بالتحديات، بما يتقاطع مع حسابات نفوذ إقليمية ودولية. ومع تعاقب السنوات، لم تعد طبيعة هذا المشروع تُقرأ عبر الشعارات، وإنما من خلال الوقائع المتراكمة على الأرض، التي عكست حجم التعقيد الذي انزلقت إليه البلاد، سواء على مستوى الإنسان أو البنية التحتية أو المشهد السياسي برمّته.
في سياق ما أعقب التحولات الإقليمية المرتبطة بما عُرف بالربيع العربي، برزت كل من المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة بوصفهما فاعلين رئيسيين في إعادة تشكيل المشهد السياسي في المنطقة. وقد التقت رؤيتهما في لحظة معينة عند تقاطعات استراتيجية تتعلق بمواجهة خصوم إقليميين، غير أن هذا التقاطع لم يكن كافيًا لبناء تحالف متماسك طويل الأمد، إذ سرعان ما بدأت التباينات في الأهداف والأولويات بالظهور، ليغدو اليمن الساحة الأكثر وضوحًا لانكشاف هذه الفجوة.
على المستوى الميداني، اتسمت العمليات العسكرية بكثافة عالية امتدت آثارها إلى قطاعات مدنية وخدمية واسعة، حيث طالت الضربات منشآت حيوية مثل المرافق الصحية وشبكات المياه والكهرباء والطرق، وهو ما فاقم من هشاشة الوضع الإنساني. كما أسهمت القيود المفروضة على حركة السلع والأفراد في تعميق الأزمة، مع تأثيرات مباشرة على الأمن الغذائي والخدمات الأساسية، ما جعل المشهد الإنساني أكثر تعقيدًا وتشابكًا مع مسارات الصراع العسكري.
في المقابل، اتخذ الدور الإماراتي مسارًا مختلفًا من حيث الأدوات، مع تركيز واضح على بناء شبكات نفوذ محلية عبر تشكيلات مسلحة، إلى جانب تعزيز الحضور في المناطق الساحلية والموانئ الحيوية. هذا التوجه عكس اهتمامًا استراتيجيًا بالتحكم في خطوط الملاحة والمواقع ذات الأهمية الجيوسياسية، الأمر الذي أضاف بُعدًا جديدًا للصراع يتجاوز الإطار الداخلي إلى فضاء إقليمي أوسع.
هذا التباين في النهج بين الرياض وأبوظبي لا يمكن عزله عن طبيعة علاقاتهما الدولية، خاصة مع الولايات المتحدة، حيث شكّل الدعم العسكري واللوجستي عنصرًا مؤثرًا في إدارة العمليات، سواء عبر الإسناد التقني أو الغطاء السياسي. ومع ذلك، فإن هذا الدعم لم يمنع من بروز اختلافات جوهرية في كيفية إدارة الملف اليمني، وهو ما انعكس لاحقًا في تطورات ميدانية وسياسية متسارعة.
ومع نهاية عام 2025، خرجت هذه التباينات من إطارها الضمني إلى العلن، عندما شهدت بعض المناطق الجنوبية احتكاكات وصراعات غير مباشرة بين القوى المدعومة من الطرفين، في مؤشر واضح على انتقال العلاقة من التنسيق إلى التنافس. وقد كشفت هذه التطورات أن ما بدا تحالفًا متماسكًا لم يكن في جوهره سوى ترتيب مرحلي تحكمه المصالح المتغيرة.
وتتضح هنا مفارقة لافتة، إذ إن معظم هذا الصراع ظل محصورًا في المناطق الواقعة تحت سيطرة الكيانات المحلية المرتبطة بكل من السعودية والإمارات، حيث تعددت مراكز النفوذ وتشابكت الولاءات، وتحولت تلك المناطق إلى ساحة مفتوحة لإعادة رسم التوازنات بالقوة أو عبر ترتيبات سياسية هشة. في المقابل، بقيت مناطق أخرى خارج هذا الاشتباك المباشر، محافظة على قدر من التماسك والاستقرار النسبي، ما جعلها بمنأى عن هذا النمط من الصراع الداخلي البيني.
تعود جذور هذا التباين إلى السنوات الأولى للتدخل، حين اختلفت أولويات كل طرف؛ فبينما ركزت السعودية على البعد الأمني المرتبط بحدودها الجنوبية، اتجهت الإمارات نحو تعظيم نفوذها في الموانئ والممرات البحرية. ومع مرور الوقت، تعمّق هذا الاختلاف، خاصة مع بروز كيانات محلية مدعومة من كل طرف، ما أدى إلى تعدد مراكز القوة داخل المشهد اليمني.
ورغم المحاولات السياسية لاحتواء هذا التباين عبر اتفاقات مرحلية، فإنها لم تنجح في معالجة أسبابه البنيوية، بل اكتفت بإدارة التناقض دون تفكيكه. ومع تصاعد التنافس على النفوذ في المناطق الاستراتيجية، لم يعد الصراع يدور فقط حول مسار الحرب، بل حول شكل اليمن ومستقبله السياسي والجغرافي.
وفي هذا السياق، أعادت التحركات الميدانية رسم خرائط السيطرة في بعض المناطق، إلا أن هذه التغيرات لم تُفضِ إلى استقرار فعلي، بقدر ما أعادت إنتاج حالة السيولة السياسية والعسكرية. كما أن محاولات إعادة بناء هياكل السلطة واجهت تحديات كبيرة، في ظل الانقسامات الحادة والتدهور الاقتصادي المستمر، ما حدّ من قدرتها على تحقيق حضور مؤثر على الأرض.
في المقابل، استمرت الإمارات في إعادة تموضعها عبر أدوات غير مباشرة، محافظة على حضورها في النقاط الساحلية الحيوية، بما يعكس تمسكها برؤية استراتيجية طويلة المدى ترتبط بالملاحة الدولية والتجارة البحرية. وبين هذا التوجه وذلك، ظل اليمنيون يواجهون تداعيات صراع تتجاوز مصالحهم المباشرة، وتُدار ضمن حسابات أوسع تتعلق بالنفوذ والسيطرة.
كما أن البعد الجيوسياسي للصراع برز بشكل أوضح مع تنامي أهمية الممرات البحرية، خصوصًا في البحر الأحمر وباب المندب، ما جعل اليمن نقطة ارتكاز في معادلات الأمن الإقليمي والدولي. وقد انعكس ذلك في طبيعة التحركات، التي باتت ترتبط على نحو متزايد بمحاولات تأمين هذه الممرات الحيوية ضمن حسابات تخدم المصالح الاستراتيجية للولايات المتحدة والكيان الصهيوني، وسط سباق محموم للهيمنة على مسارات التجارة العالمية وممرات الطاقة.
غير أن التطورات الأخيرة، خاصة في سياق التفاعلات المرتبطة بالحرب في غزة، كشفت عن تحول نوعي في معادلة القوة، حيث برزت قدرة يمنية على التأثير في أمن الملاحة، وهو ما أربك حسابات القوى الإقليمية، وفي مقدمتها السعودية والإمارات، اللتين وجدتا نفسيهما أمام واقع جديد لم تعد فيه السيطرة البحرية مسألة محسومة. هذا التحول أظهر أن موازين القوة لم تعد تُختزل في التفوق العسكري التقليدي، بل باتت ترتبط بقدرة الفاعلين المحليين على فرض معادلات جديدة.
ومع تصاعد التوترات الإقليمية، ظهر نوع من التنسيق المؤقت بين بعض الأطراف، إلا أنه لم يُلغِ جذور التباين، بل أبقى عليها كامنة وقابلة للانفجار في أي لحظة. فبينما تميل بعض القوى إلى البحث عن مخارج تقلل من كلفة الاستنزاف، تستمر أخرى في ترسيخ حضورها ضمن استراتيجيات بعيدة المدى، ما يجعل المشهد مفتوحًا على احتمالات متعددة.
في المحصلة، لم يعد اليمن مجرد ساحة صراع داخلي أو تنافس إقليمي تقليدي، بل تحول إلى عقدة جيوسياسية تتقاطع عندها مشاريع متعددة، تتباين في أهدافها لكنها تلتقي في تأثيرها العميق على واقع البلاد. ومع استمرار هذا التعقيد، تتأكد حقيقة أن غياب مشروع موحد للاستقرار، مقابل تعدد الأجندات، يجعل من الوصول إلى تسوية مستدامة أمرًا بالغ التعقيد.
وفي ضوء هذه المعطيات، يتضح جليا أن اليمن لم يعد ساحة يمكن التحكم بها من الخارج كما كان يُتصوَّر، بل بات فاعلًا قادرًا على التأثير في مسار الصراع نفسه. وبينما تتكشف ملامح هذا التحول تدريجيًا، تبرز حقيقة أكثر وضوحًا، مفادها أن مآلات الصراع لن تُحسم فقط بحجم التدخلات الخارجية، بل بقدرة الداخل اليمني على فرض معادلاته، حيث يظل القول الفصل في النهاية لمن يمتلك زمام المبادرة على الأرض.
اكتشاف المزيد من مآلات ميديا
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.




















