مآلات ميديا – متابعات :
في ظل تصاعد الأزمات الداخلية داخل المؤسسة الأمنية في الكيان الصهيوني، كشفت صحيفة “هآرتس” عن تسجيل 11 حالة انتحار بين الجنود وعناصر الشرطة خلال شهر أبريل الجاري، بينهم ستة جنود في الخدمة الفعلية وثلاثة من جنود الاحتياط، إلى جانب شرطيين، في رقم يُعد من أعلى المعدلات الشهرية الموثقة منذ سنوات. هذه الأرقام لا يمكن قراءتها كوقائع منفصلة، بل تعكس تدهوراً نفسياً واجتماعياً متراكماً داخل البنية الصلبة التي يقوم عليها الجيش، وتكشف عن خلل يتجاوز الفرد ليطال المؤسسة ذاتها. وتظهر المعطيات أن هذه الحوادث تأتي ضمن منحنى تصاعدي بدأ عقب أحداث السابع من أكتوبر 2023، حيث تشير تقديرات داخلية إلى أن عدد حالات الانتحار في صفوف الجيش تجاوز 35 حالة منذ ذلك التاريخ، في وقت جرى فيه تصنيف نحو تسعة آلاف جندي ضمن فئة المصابين باضطرابات نفسية مرتبطة بالحرب على قطاع غزة.
هذا الارتفاع المقلق يرتبط مباشرة بحالة الإنهاك والصدمة التي طالت الجنود، سواء في القوات النظامية أو الاحتياط، نتيجة الانخراط في عمليات قتالية مكثفة وممتدة. فقد واجهت الوحدات الميدانية مشاهد دمار واسع، وتعاملت مع بيئات قتالية معقدة تتداخل فيها العمليات العسكرية مع الواقع المدني، ما أوجد حالة من التعرض المتكرر لصدمات نفسية حادة. وتصف تقارير طبية داخلية هذه الحالة بأنها تراكم صدمات متلاحقة تؤدي إلى إنهاك الجهاز النفسي للجنود، خصوصاً في ظل غياب فترات التعافي الكافية. وتشير البيانات إلى أن أكثر من عشرة آلاف جندي احتياط طلبوا خدمات الدعم النفسي خلال العامين الماضيين، بينما يدخل مئات الجنود شهرياً برامج إعادة التأهيل للتعامل مع اضطرابات ما بعد الصدمة وميول إيذاء الذات، وهو ما يؤكد أن الظاهرة لم تعد حالات فردية متفرقة، بل تحولت إلى نمط جماعي يهدد التماسك البشري للمؤسسة العسكرية.
في موازاة ذلك، تكشف المعطيات عن تراجع واضح في منظومة الدعم النفسي داخل الجيش، حيث جرى تقليص فترات الرعاية بعد العمليات القتالية، وتراجع مستوى البرامج التأهيلية، إلى جانب انخفاض أعداد المختصين في الصحة النفسية داخل الوحدات الميدانية. هذا التراجع لا يمكن فصله عن الضغوط المالية والسياسية التي تدفع باتجاه توجيه الموارد نحو العمليات والتسليح، على حساب الاستثمار في العنصر البشري. ويزداد الأمر تعقيداً مع استمرار ثقافة عسكرية تقليدية تنظر إلى طلب الدعم النفسي بوصفه مؤشراً على الضعف، ما يدفع كثيراً من الجنود إلى كتمان معاناتهم وتجنب طلب المساعدة، حتى في المراحل الحرجة. وتؤكد تقارير ميدانية أن إشارات الإنذار المبكر، مثل الانعزال أو السلوك العدواني أو الإفراط في تعاطي المواد المخدرة، غالباً ما يتم تجاهلها أو التقليل من شأنها، الأمر الذي يفاقم احتمالات الانهيار النفسي المفاجئ.
على المستوى الاستراتيجي، لا تقف تداعيات هذه الظاهرة عند حدود البعد الإنساني، بل تمتد لتشكل تحدياً مباشراً لقدرة الجيش على الحفاظ على جاهزيته واستمرارية قوته. فارتفاع معدلات الانتحار يضعف من قدرة المؤسسة العسكرية على الاحتفاظ بجنود الاحتياط، ويؤثر في مستوى الحافزية للانخراط في جولات قتال جديدة، خاصة في ظل تزايد حالات التردد أو الرفض غير المعلن للعودة إلى الخدمة. كما تكشف هذه الظاهرة عن فجوة متنامية بين الخطاب الرسمي الذي يروج لصورة القوة والصلابة، وبين واقع ميداني يتسم بالهشاشة النفسية وتآكل الثقة في قدرة المؤسسة على حماية أفرادها ورعايتهم.
وفي السياق الأوسع، يمكن قراءة هذه المؤشرات بوصفها انعكاساً لتداعيات الحروب الممتدة التي لا تتوقف آثارها عند ساحات القتال، بل تمتد إلى داخل المجتمعات والمؤسسات العسكرية نفسها. فالانخراط في عمليات عنف طويلة الأمد يولد ضغوطاً نفسية مركبة، تتفاعل مع التوترات السياسية والاجتماعية الداخلية، بما في ذلك الجدل حول التجنيد، واتساع فجوة الثقة بين المؤسسة العسكرية وقطاعات من المجتمع، وصعود أصوات ناقدة لجدوى النزاع المستمر. وبهذا المعنى، فإن تصاعد حالات الانتحار داخل الجيش لا يمثل مجرد أزمة صحية أو نفسية، بل يشير إلى خلل بنيوي أعمق في منظومة إدارة الحرب، وفي قدرة الدولة على موازنة متطلبات الأمن مع حماية الإنسان الذي يُفترض أنه يشكل جوهر هذه المنظومة.
في المحصلة، تكشف هذه الظاهرة عن انتقال الصراع من جبهاته الخارجية إلى داخل البنية النفسية للمؤسسة العسكرية، حيث تتراكم الضغوط إلى حد تتحول فيه إلى تهديد داخلي صامت. هذا التحول يفرض أسئلة جوهرية حول حدود القوة العسكرية حين تُستنزف مواردها البشرية من الداخل، وحول قدرة أي منظومة أمنية على الاستمرار في ظل تآكل معنويات أفرادها. فالحروب التي تبدأ في الميدان قد تنتهي داخل النفوس، وحين يحدث ذلك، يصبح الخطر أكثر تعقيداً وأبعد أثراً من أي مواجهة تقليدية.
اكتشاف المزيد من مآلات ميديا
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.




















