مآلات ميديا – عدن:
في مشهدٍ يكرس حالة الارتماء في أحضان الوصاية الأجنبية، تواصل وفود السفراء الأجانب استباحة عدن، ليس عبر تحركات دبلوماسية معتادة، بل من خلال ما يمكن وصفه بإدارة مباشرة لملفات الداخل اليمني تحت غطاءٍ هزيلٍ يسمى “دعم خطط التعافي”. إن الزيارة الجماعية لسفراء بريطانيا، وألمانيا، والاتحاد الأوروبي، وأستراليا، وجيبوتي، تأتي لتؤكد أن القرار الوطني اليمني في المناطق المحتلة قد جُرّد من جوهره، حيث لم تعد تلك السلطات قادرة على التحرك أو اتخاذ قرار دون إملاءات ومباركة من هؤلاء السفراء الذين يتصرفون كأنهم الحكام الفعليون للمدينة، مستغلين حالة الضعف والارتهان التي تعيشها تلك السلطة لفرض أجندات تخدم مصالح دولهم بعيداً عن تطلعات الشعب اليمني.

لا تنفصل هذه الزيارة في توقيتها عن سياق أوسع من محاولات القوى الأجنبية لشرعنة وجودها وتأمين نفوذها في اليمن، إذ يحاول هؤلاء السفراء تقديم “إسنادٍ دولي” ليس الهدف منه انتشال الاقتصاد أو معالجة معاناة المواطنين، بل ربط مؤسسات الدولة – وعلى رأسها البنك المركزي – بمنظومة تبعية كاملة تضمن للقوى الخارجية التحكم في الموارد والقرار المالي والسياسي لسنوات قادمة. إن سلسلة اللقاءات المكثفة ونقاش إطارات الشراكة لعام 2030 ليست سوى أوراقٍ جديدةٍ لتكريس الوصاية، حيث يتم استغلال الأزمات الخدمية والمعيشية التي فاقمها العدوان كذريعة لتدخلات هيكلية تعمق من حالة الانهيار، وتجعل من بقاء تلك الحكومة مرهوناً بمدى استجابتها لمتطلبات الأطراف الدولية.

وعلى الصعيد الاستراتيجي، تُظهر هذه التحركات أن المقاربة الدولية للأزمة اليمنية لا تزال تبتعد عن جوهر الحل الذي يرتكز على إنهاء العدوان ورفع الحصار، وتكتفي بدلاً من ذلك بمحاولات تجميل واقعٍ مأزومٍ يرفضه كل يمني حر. إن المآلات المرجوة من هذه الزيارات لن تتجاوز كونها جرعات تخدير مؤقتة، حيث ستظل كل الخطط والمشاريع التي تُناقش في ردهات فنادق عدن مجرد حبرٍ على ورق، طالما أنها لا تنبع من إرادة وطنية خالصة وتتجاهل حقيقة أن الشعب اليمني لن يقبل بأي إملاءات خارجية مهما كان غطاؤها الدبلوماسي. إن الحقيقة الثابتة التي يجب على هؤلاء السفراء إدراكها هي أن أي حلول لا تحترم سيادة اليمن واستقلاله ستؤول إلى الفشل المحتوم، وأن الرهان على الأدوات المرتهنة لن يزيد المشهد إلا تعقيداً، ولن يثني أبناء اليمن عن مسارهم في التحرر ورفض الوصاية والتدخل الأجنبي.


اكتشاف المزيد من مآلات ميديا

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.