مآلات ميديا – متابعات :
تبدو العاصمة باماكو وكأنها استفاقت على مشهد ثقيل يختلط فيه الأمني بالسياسي، بعد يومين من مواجهات عنيفة مع مقاتلين يُنسبون إلى تنظيم القاعدة، في تطور يعكس هشاشة التوازن الذي حاول المجلس العسكري الحاكم تثبيته منذ سنوات. التطورات الأخيرة تمثل اختباراً قاسياً لبنية السلطة، إذ تشير المعطيات إلى أن القيادة العسكرية تلقت ضربة موجعة قد تعيد طرح مستقبل المرحلة التي يقودها أسيمي غويتا برمّتها.
الهجوم المباغت حمل في طياته رسائل متعددة، أبرزها حجم الاختراق الذي أصاب دوائر القرار، مع أنباء عن مقتل شخصيات محورية في المنظومة العسكرية، من بينها وزير الدفاع ساديو كامارا، واختفاء رئيس جهاز المخابرات في ظروف غامضة. هذه الخسائر تعني فراغاً في المواقع الحساسة، وتكشف عن تصدع في الحلقة الضيقة التي كانت تمسك بخيوط السلطة، وهو ما يضع النظام أمام اختبار بقاء حقيقي.
في موازاة ذلك، يتزايد الغموض حول موقع غويتا نفسه. الرجل الذي اعتاد إدارة السلطة من خلف جدران معسكر كاتي، بعيداً عن الإقامة التقليدية في القصر الرئاسي، غاب عن المشهد منذ الساعات الأولى للتصعيد. تتحدث تقارير عن تحركات متواصلة بين مواقع محصنة، في محاولة لتفادي الاستهداف، بالتوازي مع مؤشرات على قنوات تواصل غير معلنة تبحث عن مخرج آمن يضمن سلامته الشخصية واستمرارية نفوذه السياسي، أو على الأقل يحفظ له دوراً في أي ترتيبات قادمة.
التحول الأبرز يرتبط أيضاً بارتباك شبكة التحالفات التي اعتمد عليها النظام. فالمصادر المتقاطعة تشير إلى تراجع الثقة بين باماكو وحلفائها الروس، خصوصاً بعد الانسحاب المفاجئ من بعض المناطق الشمالية الحساسة، وهو ما فُسِّر في الداخل المالي باعتباره إعادة تموضع براغماتية تراعي مصالح موسكو أكثر مما تراعي استقرار السلطة القائمة. هذا التحول يفتح الباب أمام قراءة أوسع لمعادلات النفوذ في الساحل، حيث لم تعد التحالفات ثابتة، بل خاضعة لمعادلة الكلفة والعائد.
في المقابل، يبرز اسم شركة سادات بوصفها فاعلاً جديداً في مشهد الحماية السياسية، في إشارة إلى تحوّل تدريجي في طبيعة الأدوار التي تلعبها الشركات الأمنية الخاصة في البيئات الهشة. هذا الحضور يعكس فراغاً تتركه القوى التقليدية، ويطرح تساؤلات حول طبيعة الترتيبات الأمنية الجديدة، ومن يمتلك القدرة الفعلية على تأمين بقاء الأنظمة في لحظات الانكشاف.
رغم تأكيدات الجيش بأن الوضع تحت السيطرة، فإن المشهد على الأرض أكثر تعقيداً مما توحي به البيانات الرسمية. تداول صور الضحايا في الشوارع، وتضارب الروايات حول حجم الخسائر، واستمرار غياب القيادة عن الظهور العلني، كلها مؤشرات تغذي حالة من القلق الشعبي، وتفتح الباب أمام احتمالات متعددة، من بينها تصدعات داخلية قد تتجاوز حدود المواجهة مع الجماعات المسلحة.
في هذا السياق، يتركز النقاش حول شكل المرحلة المقبلة برمتها، وحول ما إذا كانت التطورات الحالية تقود إلى إعادة تشكيل بنية الحكم أو إلى صراع داخلي داخل مراكز القرار. المؤكد أن ما حدث في باماكو يمثل نقطة تحول قد تعيد رسم الخريطة السياسية والعسكرية في مالي، وربما في كامل إقليم الساحل.
اكتشاف المزيد من مآلات ميديا
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.




















