مآلات ميديا – تحليلات:
يبدو دونالد ترامب اليوم في لحظة سياسية معقدة، تتداخل فيها حسابات الخارج مع أزمات الداخل، وتتحول فيها الصورة الإعلامية إلى جزء من المعركة السياسية ذاتها. فالرجل لا يواجه ضغطًا واحدًا يمكن احتواؤه بخطاب أو تصريح، وإنما يتحرك داخل مثلث ضاغط: ملف إيران وما يفرضه من اختبار للقوة والهيبة أمام العالم، والكونغرس وما يحمله من تهديدات المساءلة والاستدعاء، والقاعدة الانتخابية وجماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل التي تريد منه مواقف أكثر صلابة وانحيازًا لمسارها السياسي. وقد تصاعدت هذه الضغوط خلال الأسابيع الأخيرة بعد تهديداته تجاه إيران، وما تبعها من دعوات داخل الكونغرس، خصوصًا من ديمقراطيين، للمساءلة أو حتى العزل، مع إقرار متابعين بأن فرص إزاحته تبقى محدودة في ظل موازين القوى داخل الكونغرس.
في ملف إيران تحديدًا، يجد ترامب نفسه أمام معادلة صعبة: إن اندفع نحو التصعيد، فقد يفتح بابًا واسعًا لحرب مكلفة سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا؛ وإن قبل بتسوية أو تفاوض بشروط لا تبدو منتصرة بالكامل، سيجد خصومه يقدّمون ذلك باعتباره تراجعًا عن خطابه المتشدد. هذه هي الزاوية الأولى في المأزق: كيف يحافظ على صورة الرئيس القوي من دون أن يدفع البلاد إلى مواجهة غير مضمونة؟ وكيف يذهب إلى تسوية من دون أن يظهر أمام جمهوره وكأنه انكسر أمام طهران؟ هنا لا تصبح السياسة الخارجية ملفًا دبلوماسيًا فقط، وإنما تتحول إلى امتحان شخصي لصورة ترامب التي بنى عليها حضوره: صورة الرجل الذي لا يتراجع ولا يقبل أن يُملى عليه شيء.
أما الزاوية الثانية فتأتي من الداخل الأمريكي، حيث لم تعد قضية إيران مجرد خلاف حول السياسة الخارجية، بل تحولت إلى مادة صراع بين البيت الأبيض والكونغرس. فالمساءلة السياسية، حتى حين لا تصل إلى عزل فعلي، تكفي لإضعاف صورة الرئيس، وتشتيت أجندته، وإرباك فريقه، وفتح المجال أمام خصومه لطرح سؤال الكفاءة والاتزان والقدرة على إدارة الأزمات. وهذا النوع من الضغط لا يستهلك الرئيس داخل المؤسسات فحسب، وإنما يضربه أمام الرأي العام؛ لأن المواطن العادي قد لا يتابع كل تفاصيل السياسة الخارجية، لكنه يتأثر سريعًا بصورة رئيس يبدو محاصرًا بالتحقيقات والانتقادات والصدامات المتكررة.
وتأتي الزاوية الثالثة من البيئة التي يعتمد عليها ترامب سياسيًا وانتخابيًا. فقاعدته الشعبية تريد منه أن يبقى وفيًا لخطاب القوة والمواجهة، بينما تريد جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل أن يستمر ضمن خط سياسي يخدم رؤيتها للمنطقة، خصوصًا في ما يتعلق بإيران. وفي الوقت نفسه، يحتاج ترامب إلى توسيع هامش التعاطف معه حتى لا يظهر بوصفه سبب الأزمة، وإنما ضحيتها. وهنا تبدأ أهمية الصورة الإعلامية: عندما تضيق السياسة، يتقدم المسرح؛ وعندما تتراكم الأسئلة الصعبة، يصبح المشهد العاطفي أحيانًا أقدر على إعادة توجيه انتباه الجمهور من أي خطاب سياسي تقليدي.
من هذه الزاوية يمكن قراءة حادثة حفل عشاء مراسلي البيت الأبيض في واشنطن. فقد أفادت تقارير صحفية أمريكية بأن ترامب وزوجته أُخرجا من المكان بعد حادث إطلاق نار قرب حفل العشاء، وأن مشتبهًا به أوقفته السلطات، فيما أشارت تقارير إلى أن التحقيقات لا تزال تتعامل مع الدافع باعتباره قيد الفحص. وهنا ينبغي التمييز المهني بين أمرين: الحادث الأمني بحد ذاته، وهو واقعة تتعامل معها الأجهزة المختصة، وبين التوظيف السياسي والإعلامي للحادث، وهو المجال الذي يمكن تحليله وقراءة مؤشراته من دون الجزم بنوايا خفية أو اتهامات قطعية.
ففي السياسة الأمريكية، لا تقف الأحداث الكبرى عند حدود وقوعها، بل تدخل سريعًا في ماكينة السرد والتأويل والاستثمار الرمزي. أي حادث أمني يطال رئيسًا أو يقترب منه يتحول في لحظات إلى مادة لبناء صورة: رئيس مستهدف، رجل يواجه خطرًا، زعيم يدفع ثمن مواقفه، أو شخصية محاصرة لأنها تقف في وجه خصوم كبار. هذه السردية، سواء نشأت تلقائيًا أو جرى تضخيمها لاحقًا، تمنح ترامب فرصة ثمينة للانتقال من موقع المساءلة إلى موقع التعاطف، ومن موقع الرئيس المطالب بتقديم إجابات إلى موقع الشخصية التي يلتف حولها أنصارها بحجة أنها تتعرض للاستهداف.
وهنا تكمن النقطة الأهم: صناعة المظلومية في السياسة لا تعني بالضرورة اختلاق الحدث، وإنما تعني تحويل الحدث إلى رأسمال سياسي. فبدل أن يكون النقاش العام: ماذا فعل ترامب في ملف إيران؟ ولماذا تصاعدت دعوات المساءلة؟ وهل قراراته تخدم المصلحة الأمريكية أم تدفعها إلى مواجهة غير محسوبة؟ يمكن أن يتحول النقاش إلى سؤال آخر: من يستهدف ترامب؟ ولماذا يتعرض لكل هذا الضغط؟ وهل أصبح الرجل ضحية لحملة سياسية وإعلامية؟ وعندما يتغير السؤال، تتغير زاوية النظر، ويتراجع جوهر الأزمة لصالح الانفعال بالمشهد.
هذا التحول يخدم ترامب بدرجة واضحة؛ لأنه يمنحه فرصة لإعادة تعبئة جمهوره حوله. فالجمهور الذي يرى زعيمه في موقع الخطر أو الاستهداف لا يطالبه غالبًا بتفاصيل دقيقة، بل يندفع لحمايته والدفاع عنه. كما يخدم هذا التحول القوى التي تريد بقاء ترامب داخل مسار سياسي محدد، لأنها تستطيع أن تقدم استمرار دعمه بوصفه دفاعًا عن رئيس مستهدف، لا مجرد انحياز لحسابات ضغط ومصالح. وبذلك تتحول الواقعة الأمنية إلى فرصة سياسية، ويتحول الخوف إلى وقود تعبوي، ويتحول التعاطف إلى غطاء مؤقت للأسئلة الصعبة.
غير أن خطورة هذا المسار أنه يخلط بين التعاطف المشروع مع أي شخصية عامة تتعرض لتهديد، وبين استخدام التعاطف لإغلاق باب المساءلة. فمن الطبيعي أن يُدان أي عنف سياسي، وأن تُحمى المؤسسات والشخصيات العامة، وأن يبقى الخلاف السياسي داخل حدوده المدنية والقانونية. لكن هذا لا يمنح أي رئيس حصانة من النقد أو المحاسبة. فالمشكلة ليست في التعاطف مع ترامب بوصفه رئيسًا تعرض لموقف أمني خطير، وإنما في تحويل التعاطف إلى بديل عن السؤال السياسي: ما الذي يحدث في السياسة الأمريكية؟ ولماذا تتشابك ملفات إيران والكونغرس واللوبيات والانتخابات في لحظة واحدة؟
من منظور أوسع، تكشف هذه الحالة عن جوهر السياسة الحديثة في الولايات المتحدة: لم تعد القوة تقاس بالقرار فقط، بل بالقدرة على التحكم في الرواية. من يملك الرواية يستطيع أن يعيد ترتيب المسؤوليات، وأن يغير موقعه في وعي الجمهور، وأن يحول الخسارة إلى مظلومية، والمأزق إلى بطولة، والضغط إلى دليل على أنه يسير في الاتجاه الصحيح. وفي حالة ترامب تحديدًا، تبدو هذه المهارة جزءًا أصيلًا من أسلوبه السياسي؛ فهو لا يكتفي بالرد على الأزمة، بل يحاول إعادة تعريفها بما يخدم صورته وموقعه.
لذلك، فإن قراءة المشهد لا ينبغي أن تذهب إلى اتهامات مطلقة أو أحكام متسرعة، لكنها تستطيع أن تقول بوضوح إن ترامب يقف أمام لحظة ضغط مركبة، وإن أي حدث كبير حوله قابل للتحول إلى أداة لإعادة إنتاج صورته سياسيًا. فهو محاصر خارجيًا بسؤال إيران، وداخليًا بسؤال المساءلة، وانتخابيًا بسؤال الولاء لقاعدته وحلفائه. وفي مثل هذه اللحظات، تصبح المظلومية لغة سياسية جاهزة، وتصبح الكاميرا جزءًا من إدارة الأزمة، ويصبح المشهد أحيانًا أقوى من البيان.
بهذا المعنى، فإن ما يجري حول ترامب ليس مجرد حادث أمني منفصل عن سياقه، ولا مجرد سجال داخلي عابر، وإنما حلقة في صراع أكبر على الصورة والشرعية والاتجاه السياسي للولايات المتحدة. وبينما ينتظر العالم إجابات واضحة حول إيران، وينتظر الداخل الأمريكي توضيحات حول حدود السلطة والمساءلة، يحاول ترامب، كعادته، أن ينقل المعركة إلى المساحة التي يتقنها أكثر: مساحة الانطباع، والتعبئة، وصناعة التعاطف. والسؤال الذي سيبقى مفتوحًا هو ما إذا كان هذا المشهد سينقذه من مأزقه، أم سيمنحه فقط وقتًا إضافيًا قبل أن تعود الأسئلة الكبرى إلى الواجهة بقوة أكبر.
اكتشاف المزيد من مآلات ميديا
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.




















