مآلات ميديا – متابعات :
تبدو الرسالة الصادرة عن إيران، من حيث توقيتها ولغتها، أقرب إلى إعادة تثبيت معادلة الردع منها إلى مجرد استعراض دعائي، لكنها في الوقت ذاته تحمل ملامح واضحة من الحرب النفسية التي ترافق أي مواجهة مفتوحة مع الولايات المتحدة و الكيان الصهيوني. فقد أعلنت طهران هذا الأسبوع امتلاكها أكثر من ألف نوع من الأسلحة المصنعة محليًا، إلى جانب شبكة صناعية تضم نحو تسعة آلاف شركة مرتبطة بالقطاع الدفاعي، مع تأكيد أن جزءًا كبيرًا من قدراتها الصاروخية الاستراتيجية لا يزال خارج الاستخدام، في إشارة محسوبة إلى أن الضربات الأخيرة لم تُنهِ القدرة الكامنة لديها.
وتستند الرواية الإيرانية إلى أن بنيتها الصناعية العسكرية لم تعد قائمة على منشآت مركزية يسهل استهدافها، بل تحولت إلى شبكة موزعة من المصانع والورش وسلاسل الإمداد، بعضها محصن في عمق الجبال أو تحت الأرض، ما يقلل من فعالية الضربات الجوية المباشرة. في المقابل، تُظهر التقديرات الغربية صورة مختلفة، إذ تشير تقارير صادرة عن دوائر أمريكية و صهيونية إلى أن جزءًا معتبرًا من البنية الصاروخية الإيرانية قد تضرر أو تعرض للاستنزاف، مع اعتراف ضمني بصعوبة التحقق من حجم الخسائر بدقة، حيث تذهب بعض التقديرات إلى أن ما تم تدميره لا يتجاوز ثلث الترسانة، ما يترك مساحة واسعة لقدرات لا تزال قائمة أو قابلة لإعادة التفعيل.
أما ما يُعرف بـ“المدن الصاروخية” تحت الأرض، فلا يُعد مجرد عنصر دعائي، بل يرتكز على بنية حقيقية تم تطويرها على مدى سنوات، تشمل منشآت مخفية ومنصات إطلاق متنقلة صُممت لتقليل هشاشة الردع أمام الهجمات الجوية. غير أن هذه المنظومة، رغم أهميتها، لا توفر حصانة كاملة، إذ إن استمرار الاستهداف وتعطيل خطوط الإمداد وضرب المكونات الحساسة، مثل مصانع المحركات وأنظمة التوجيه، قد يحد من قدرة طهران على التعويض السريع حتى مع احتفاظها بجزء من المخزون.
وفي موازاة ذلك، تتجه لهجة طهران نحو رفع سقف التصعيد عبر التلويح بورقة مضيق هرمز، في توجه لنقل كلفة الضغط الأمريكي إلى مستوى دولي أوسع، بالنظر إلى الأهمية الحيوية للمضيق في تجارة الطاقة العالمية. وقد وصفت القيادة العسكرية الإيرانية القيود المفروضة على الملاحة بأنها “قرصنة”، محذرة من أن أمن الممرات البحرية لن يبقى بمنأى عن التهديد إذا تعرضت المصالح الإيرانية للخطر، في وقت تشير فيه تقارير ملاحية إلى اضطرابات فعلية في حركة الشحن نتيجة التصعيد الأخير.
وفي المحصلة، تبدو طهران حريصة على تمرير رسالتين متوازيتين: الأولى تؤكد أن الضربات لم تنجح في كسر قدرتها العسكرية، والثانية تحذر من أن أي تصعيد جديد لن يظل محدودًا، بل قد يمتد إلى الأمن البحري وأسواق الطاقة والإقليم بأكمله. ومع ذلك، فإن هذه الرسائل، مهما بدت متماسكة، لا تلغي حقيقة أن إيران تتحرك داخل معادلة استنزاف معقدة، تتداخل فيها القوة الصلبة مع إدارة الصورة الذهنية، لتصبح الحرب النفسية جزءًا لا ينفصل عن إدارة المواجهة، بقدر ما هي الصواريخ والطائرات المسيّرة.
اكتشاف المزيد من مآلات ميديا
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.




















