مآلات ميديا – اسلام اباد في ظل تصاعد التوتر الدبلوماسي ، تتكشف تفاصيل ما يمكن وصفه بـ“اجتماع العاصفة” الذي جمع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي بقائد الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد، حيث تقاطعت الضغوط والمصالح في لحظة بدت مرشحة لكسر الجمود بين طهران وواشنطن، لكنها انتهت إلى مواجهة مكتومة داخل الغرف المغلقة، بلا مؤشرات على انفراج قريب أو حتى ملامح أولية لمسار تفاوضي جديد. فالعالم الذي كان يترقب إعلاناً عن تفاهم مرحلي في إطار الوساطة الباكستانية، وجد نفسه أمام تسريبات تعكس حجم الإحباط الذي يتجاوز حدود البيانات الدبلوماسية التقليدية.

ومن هنا، جاء الموقف الإيراني حاسماً في ربط أي تقدم تفاوضي بشرط رفع الحصار البحري ووقف الضغوط متعددة الأشكال، بما في ذلك الحملات الإعلامية والاقتصادية. هذا الربط لا يعكس فقط تكتيكاً تفاوضياً، بل يكشف عن تصور استراتيجي تعتبر فيه طهران أن التفاوض تحت الضغط يُفقدها أوراق القوة، وأن الاستجابة لمثل هذه الشروط تعني القبول بقاعدة تفاوض غير متكافئة. وفي المقابل، تبدو الولايات المتحدة أكثر ميلاً لاستخدام الحصار كأداة ضغط مشروعة لانتزاع تنازلات تتصل بالملف النووي والقدرات الصاروخية والدور الإقليمي، وهو ما يعمّق الفجوة بين الطرفين ويجعل من أي وساطة مهمة شديدة التعقيد.

أما باكستان، التي سعت إلى استثمار موقعها كوسيط إقليمي قادر على فتح قنوات بين الخصوم، فقد وجدت نفسها أمام معادلة صعبة، إذ انتقلت عملياً من دور الوسيط المحايد إلى موقع الطرف الذي يتلقى ضغوطاً متعاكسة. فمن جهة، تواجه إسلام آباد مطالب أمريكية بضرورة تحقيق اختراق في الموقف الإيراني، ومن جهة أخرى، تصطدم بتصلب طهران ورفضها تقديم تنازلات في ظل استمرار الحصار، ما يضع الوساطة الباكستانية أمام اختبار حقيقي لمدى قدرتها على الاستمرار كجسر للحوار أو تحولها إلى مجرد قناة لنقل الرسائل.

وفي هذا السياق، تبدو الرسائل الإيرانية الموجهة إلى واشنطن عبر الوسطاء أقرب إلى إنذار مباشر، مفاده أن طهران لا تغلق باب الحوار، لكنها ترفض أن يكون التفاوض أداة لإعادة إنتاج الضغوط التي فُرضت عليها بعد الانسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي عام 2018. وبذلك، يتحول الحصار البحري، وما يرتبط به من توترات في مضيق هرمز، إلى عنصر مركزي في معادلة التفاوض، لا مجرد ورقة ضغط ظرفية، بل شرطاً حاكماً لأي مسار سياسي محتمل.

وفي المحصلة، تقف الوساطة التي كان يُعوّل عليها بوصفها فرصة أخيرة لتخفيف التصعيد عند حافة التعثر، ليس بسبب غياب الإرادة المعلنة للحوار، وإنما نتيجة عمق التباين في تعريف كل طرف لشروطه الأساسية. فبينما ترى طهران أن رفع الحصار مدخل ضروري لأي تفاوض جاد، تتعامل واشنطن مع هذا الحصار كأداة تفاوض بحد ذاتها. وعند هذا التقاطع، يصبح لقاء إسلام آباد محطة كاشفة لحجم التعقيد، أكثر من كونه بداية لحل، في مشهد يفتح الباب أمام احتمالات تصعيد جديدة في الممرات البحرية وأسواق الطاقة، ما لم يطرأ تحول جوهري على مواقف الأطراف المعنية.


اكتشاف المزيد من مآلات ميديا

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.