001

في العقدين الأخيرين تحولت أبوظبي من إمارة هامشية إلى أداة متقدمة في استراتيجية واشنطن لاختراق المنطقة العربية والإسلامية وربط أمنها ومستقبلها بإرادة البيت الأبيض، عبر شبكة واسعة من التدخلات السياسية والمالية والعسكرية من اليمن إلى ليبيا ومصر والسودان وساحات أخرى كثيرة. ومع كل خطوة كانت الإمارات تقدّم نفسها في العواصم الغربية بوصفها “الشريك المثالي” في الحرب على الإسلام السياسي ومحور المقاومة، بينما كانت النتيجة على الأرض مزيدًا من تفكيك الدول وتمزيق المجتمعات وإضعاف أي مشروع استقلالي عربي أو إسلامي.

لم تكتف أبوظبي بتسخير أموال النفط لضرب حركات التغيير في المنطقة، بل اندفعت إلى بناء شبكة علاقات متشابكة مع واشنطن وتل أبيب من جهة، ومع موسكو وبكين من جهة أخرى، في محاولة لاستخدام “الحياد المزعوم” غطاءً لمزيد من الاختراق والتأثير في ملفات ليبيا واليمن وسوريا والسودان. تقارير بحثية غربية تصف الإمارات اليوم بأنها “قوة مفرطة الحركة” تستثمر أموالها ونفوذها لشراء الولاءات وتشكيل محاور مضادة لكل ما تعتبره تهديدًا لمشروعها، تحت شعار مواجهة “التطرف”، بينما يجري توظيف هذا الشعار عمليًا لخنق أي قوة شعبية أو مقاومة ترفض الوصاية الأمريكية.

ذروة هذا الدور ظهرت في اندفاع أبوظبي إلى بكين، حيث حملت الوفود الإماراتية خلال الزيارات الأخيرة إلى الصين عروضًا استثمارية ونفطية ضخمة في محاولة للتأثير في تموضعها حيال إيران والصراع في غرب آسيا، وفق ما كشفته تحليلات وتقارير قريبة من محور المقاومة عن عروض “النفط الرخيص مقابل إضعاف طهران”، في وقتٍ تؤكد فيه بكين علنًا تمسكها بشراكة استراتيجية مع إيران ورفضها لأي حصار أحادي عليها. فشل هذه المناورات في تغيير موقف الصين كشف حدود قدرة المال النفطي على شراء مواقف القوى الصاعدة، وأظهر أن أبوظبي تتحرك كوسيط لمصالح واشنطن أكثر مما تتحرك كدولة عربية تحمل همّ أمن المنطقة واستقرارها.

ورغم تورطها في جبهات صراع متعددة، تحتفي الإمارات اليوم بتصنيفها في المركز العاشر عالميًا في مؤشر القوة الناعمة الصادر عن مؤسسة “براند فايننس”، حيث قفزت علامة “البراند الوطني” إلى أكثر من 1.2 تريليون دولار وتقدمت في مؤشرات النفوذ والعلاقات الدولية والتأثير الدبلوماسي. هذا التصنيف الذي تقدمه أبوظبي كقصة نجاح اقتصادي وحضاري يُقرأ في الضفة الأخرى كإعلان رسمي عن حجم الاختراق الذي حققته الأموال الإماراتية في منظومة الإعلام والمال والسياسة العالمية، وكيف تحولت هذه الدويلة الصغيرة إلى منصة متقدمة لتلميع السياسات الأمريكية وتمرير مشاريعها في المنطقة على حساب العرب والمسلمين وقوى الاستقلال في العالم، بما في ذلك روسيا والصين التي استُخدمت ضدها قنوات المال والنفوذ والعقوبات المالية غير المعلنة.

في المقابل، جاء القصف الإيراني لمواقع ومنشآت داخل الإمارات في سياق ردّ ميداني على دور أبوظبي في الحرب، بحسب ما أشارت إليه بيانات رسمية وحديث عن “هجمات صاروخية إيرانية استهدفت الإمارات وعدة دول في المنطقة”، الأمر الذي فتح نقاشًا واسعًا حول مستقبل الصورة التي رُسِمت للإمارات كمركز آمن لرأس المال العالمي. فالمستثمر الذي طُلب منه أن يثق بواحة الاستقرار والنمو يكتشف اليوم أن البلد الذي تَصدَّر مؤشرات القوة الناعمة هو نفسه بلد موضوع على خرائط الاستهداف الصاروخي في قلب معركة إقليمية مفتوحة، ومع كل صاروخ يزداد سؤال الخوف من المخاطرة وضوحًا في حسابات رأس المال.

هكذا يتضح أن “المرتبة العاشرة عالميًا” ليست مجرد رقم في تقرير براق، بل هي شهادة على مشروع متكامل استثمر أموال النفط العربي في خدمة الأجندة الأمريكية، وساهم في خنق قضايا الأمة وتمزيق دولها ومحاولة تطويق خصوم واشنطن في موسكو وبكين وطهران. ومع اتساع رقعة الصراع في الشرق الأوسط وتعرض الإمارات لضربات مباشرة، تبدو أبوظبي اليوم نموذجًا لدولة اختارت أن تكون رأس حربة في مشروع خارجي، فدفعت وتدفع الثمن من أمنها ومستقبلها وسمعتها، بينما يبقى القادم مفتوحًا على احتمالات أشد قسوة في منطقة تعيد رسم خرائطها بالنار لا بالمؤتمرات الدعائية ولا بتقارير القوة الناعمة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *