screenshot 2026 04 17 211559

م. فؤاد ابوراس / مآلات ميديا :

في ظل ظرف استثنائي يعيشه البلد على مختلف المستويات، يبدو ملف المرتبات واحداً من أكثر الملفات حساسية وتعقيداً في آن واحد. لا أحد ينكر حجم التحديات أمام الجهات الرسمية وهي تحاول إدارة محدودية الموارد، وتوزيع ما يتوفر منها بين احتياجات متعددة، من بينها فاتورة أجور ضخمة لموظفي الدولة والمتقاعدين وصغار المودعين، وهو ما أشارت إليه نقاشات البرلمان عند عرض مشروع قانون الآلية الاستثنائية، والتصريحات اللاحقة لوزارة المالية حول مبررات هذه الآلية وأهدافها.

خلال الفترة الماضية، سمعت ورأيت عن قرب أحوال الكثير من الزملاء في الجهاز الإداري للدولة؛ كوادر كفؤة طحنها الضغط الاقتصادي اليومي، وفي الوقت نفسه تشعر بقدر كبير من الغبن والألم وهي تتابع تفاصيل موضوع الفئات وآلية صرف المرتبات، خصوصاً لمن تُصرف لهم الرواتب على فترات متباعدة. هذا الشعور الإنساني المتراكم لدى شريحة واسعة من الكادر هو ما دفعني شخصياً إلى أن أقرأ بتأنٍ في تفاصيل الآلية الاستثنائية وتجربتها، ثم أكتب هذه السطور بروحٍ حريصة على أن يكون أداء الجهات الحكومية في أحسن حالاته الممكنة، لا بروح الخصومة أو التقليل من حجم الجهد المبذول.

القانون الذي أقره البرلمان بعنوان “الآلية الاستثنائية لدعم فاتورة مرتبات موظفي الدولة وحل مشكلة صغار المودعين” جاء كاستجابة ظرفية لأزمة حادة في الموارد، وقُدّم على أنه صيغة مؤقتة لتوزيع جزء من الإيرادات المتاحة بشكل يضمن حداً أدنى من الدخل الشهري للفئات الأوسع من الموظفين، بحسب ما ورد في المذكرات الإيضاحية والتغطيات الإعلامية لنقاشات المجلس. من هنا وُلد نظام الفئات في الصرف، حيث تُصرف المرتبات كاملة شهرياً لبعض الجهات، ونصف راتب شهرياً لجهات أخرى، ونصف راتب كل ثلاثة أشهر لفئة ثالثة، وفق ما أوضحته وزارة المالية والبنك المركزي في بيانات متفرقة عن آلية الصرف ومواعيدها.

على مستوى الفكرة، يمكن تفهّم منطق توزيع العبء بحسب ما لدى كل جهة من موارد ذاتية أو صناديق خاصة أو دعم حكومي مباشر. ففي التوضيح الرسمي لوزارة المالية، تم التأكيد على أن الجهات التي لا تمتلك موارد كافية ستكون ضمن قوائم الصرف الشهري، وأن الجهات ذات الموارد تتحمل قسطاً من عبء رواتبها، وأن الهدف النهائي هو توسيع دائرة الصرف الشهري كلما تحسنت الإيرادات. هذا التوجه يعكس محاولة للتكيّف مع ضيق الإمكانات، لكن التطبيق العملي على مستوى الموظف الفرد داخل كل جهة هو ما يثير أسئلة من النوع الذي يحتاج إلى نقاش هادئ ومسؤول.

أحد الأمثلة التي برزت إلى السطح كان ما يتعلق بالإداريين في ديوان وزارة التربية والتعليم ومكاتبها في المحافظات والمديريات، حيث صدر القرار الإداري رقم 140 الذي ربط صرف مرتباتهم بنظام النصف الراتب الربعي، في الوقت الذي يحصل فيه معلمون في نفس المنظومة على نصف راتب شهري إضافة إلى حوافز من صندوق خاص بالمعلم. هذا الوضع دفع النقابة العامة للمهن التعليمية والتربوية إلى اللجوء للمحكمة الإدارية بدعوى تطلب إعادة النظر في وضع هذه الشريحة، ليس من باب الاعتراض على القانون في حد ذاته، بل من زاوية أن التطبيق الحالي قد يخلق فجوة داخل المرفق الواحد بين فئات متقاربة في العمل والحاجة المعيشية.

من منظور مهني بحت، يمكن قراءة هذا النوع من الدعاوى كفرصة لمراجعة التفاصيل الفنية للقرارات الإدارية، أكثر من كونه تحدياً لجوهر السياسة المالية المعتمدة. فالقاضي الإداري بطبيعة عمله يسلّط الضوء على الجوانب التي قد تحتاج إلى مزيد من الضبط أو التوضيح، الأمر الذي يساعد صانع القرار على رؤية الأثر العملي لقراراته في الميدان، خصوصاً عندما يكون القرار متعلقاً بحق معاشي حساس كالأجر. بذلك تتحول الرقابة القضائية والنقابية إلى عنصر مساعد في تحسين التجربة، لا إلى خصم لها.

أبعد من المثال التربوي، ثمة بُعد إنساني واضح لتجربة الفئات، خصوصاً في ما يتعلق بالموظفين الذين تُصرف لهم مرتباتهم على فترات ربعية. التقارير الاقتصادية والحقوقية تتحدث عن نسب مرتفعة من الفقر في أوساط الأسر التي تعتمد كلياً على مرتب الموظف، وتشير إلى أن نصف الراتب الشهري نفسه لا يكفي في كثير من الحالات لتغطية أساسيات المعيشة،  فما بالنا عندما يتحول هذا النصف إلى دفعة كل ثلاثة أشهر. هنا لا نتحدث عن اختلاف في مستوى الرفاه ، بل عن تأثير مباشر على قدرة الأسرة على تدبير احتياجاتها اليومية، وهو ما ينعكس بدوره على استقرار الموظف النفسي وقدرته على الالتزام والانضباط في عمله.

من زاوية الحرص على الأداء الحكومي، قد يكون من المفيد التفكير في إجراء تقييم دوري له أثر نمط الصرف الربعي على الاستقرار الوظيفي وجودة الخدمات المقدمة للمواطنين. مثل هذا التقييم يمكن أن يجيب عن أسئلة عملية جداً: هل يدفع غياب الدخل الشهري المنتظم ببعض الموظفين للبحث عن أعمال جانبية تؤثر على تفرغهم؟ هل ترتفع نسبة الغياب أو دوران الكادر في الوحدات التي تصنف ضمن الفئة الربعية؟ إلى أي مدى يسهم تحسين وتيرة الصرف، حتى ولو بمبالغ محدودة، في تقليل هذه الآثار؟ إجابات من هذا النوع، إذا ما تم جمعها بأسلوب علمي، ستساعد متخذ القرار على موازنة كلفة التقشف المالي مع كلفة تراجع الفعالية الإدارية.

و انطلاقاً من روح القانون نفسه، الذي شدد في مناقشاته على “تحقيق قدر من العدالة بين موظفي الدولة في الدخل المتاح”، ربما يكون من المناسب التفكير في تطوير الآلية من داخلها، دون الحاجة إلى نسفها أو إنكار دوافعها الأصلية. من بين الأفكار التي يمكن تداولها مثلاً، تحديد حد أدنى مشترك لكل موظف يؤدي عملاً فعلياً في الخدمة العامة، بحيث لا يقل ما يحصل عليه شهرياً – أياً كانت فئته – عن مبلغ معين يراعي الحد الأدنى من المتطلبات المعيشية، مع ترك المجال للفروق فوق هذا الحد وفقاً للموارد المتاحة وطبيعة كل جهة.

فكرة أخرى قد تعزز ثقة الموظف في عدالة التطبيق هي إيجاد آلية تظلم واضحة وشفافة، تُفتح أمام أي موظف يشعر بأن تصنيفه ضمن فئة معينة لا يعكس واقع وضعه الوظيفي أو معطيات الجهة التي يعمل فيها. وجود لجنة فنية محايدة داخل وزارة المالية والخدمة المدنية تنظر في هذه التظلمات وفق معايير مكتوبة من شأنه أن يخفف كثيراً من الإحساس بالغبن، ويؤكد أن التصنيف ليس حكماً نهائياً بل إجراء قابلاً للمراجعة متى ظهرت معطيات جديدة.

إلى جانب ذلك، قد يكون من المهم النظر إلى الحراك النقابي والحقوقي باعتباره رافداً للمعلومة الميدانية، لا مصدراً للإرباك. عندما تقدّم النقابات مذكراتها بلغة تستند إلى القوانين النافذة وحاجات المرفق العام، فإنها عملياً توفر تغذية راجعة لصانع القرار حول كيف تُستقبل قراراته في القواعد الوظيفية، وما هي الجوانب التي تحتاج إلى توضيح إضافي أو تعديل طفيف لتحقيق أثر أفضل. التعامل مع هذه الأصوات بروح الشراكة يمكن أن يحوّلها إلى عنصر قوة في التجربة بدلاً من أن تُرى دائماً كعامل ضغط.

في المحصلة، تبقى الآلية الاستثنائية لصرف المرتبات خياراً وُلد من رحم ظرف صعب، وهدفه المعلن حماية الموظف قدر الإمكان ضمن حدود المتاح. هذه السطور لا تهدف إلى محاكمة هذا الخيار، بقدر ما تحاول أن تقترح زاوية نظر تكميلية، تقول إن نجاح أي آلية مالية لا يُقاس فقط بقدرتها على توزيع الأرقام في الجداول، بل أيضاً بقدرتها على طمأنة الإنسان الذي يقف خلف هذه الأرقام، وإقناعه بأن نصيبه من العبء موزع بعدالة ووضوح. كلما اقترب الخطاب الرسمي من أسئلة هذا الموظف البسيطة، وشرح له ماذا يجري وماذا يمكن أن يتحسن، كلما كانت فرص نجاح التجربة أكبر، وكلما تجسدّت الشراكة بين الدولة وكادرها الوظيفي في أبهى صورها الممكنة في زمنٍ استثنائي كهذا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *