مآلات ميديا – متابعات :
تعكس التحذيرات المتصاعدة داخل الكيان الصهيوني المحتل، كما نقلتها القناة 14، حالة قلق حقيقية تتسرب إلى دوائر صنع القرار الأمني، على خلفية التحركات العسكرية المصرية الأخيرة قرب الحدود. هذه المخاوف، التي عبّر عنها الخبير في الشؤون العربية إيدي كوهين، لا يمكن قراءتها بمعزل عن الذاكرة التاريخية الثقيلة التي ما تزال تلقي بظلالها على العقل الاستراتيجي الصهيوني، خاصة عندما يتعلق الأمر بمصر.
استحضار كوهين لسابقة حرب أكتوبر 1973 هو محاولة دق ناقوس الخطر داخل المؤسسة السياسية والعسكرية في الكيان المحتل، محذراً من تكرار خطأ التقليل من شأن التحركات العسكرية التي تُقدَّم على أنها “تدريبات روتينية”. هذا الخطاب يكشف عن هشاشة في التقدير الاستخباراتي عندما يتعلق الأمر بالجيش المصري، الذي أثبت تاريخياً قدرته على استخدام عنصر المفاجأة ضمن تخطيط طويل النفس.
التدريبات المصرية قرب الحدود، وما رافقها من إجراءات تنظيمية مثل تقليص قنوات الاتصال أثناء المناورات، تُقرأ في هذا السياق كرسائل سيادية واضحة تؤكد أن القاهرة تتحرك وفق حساباتها الخاصة، بعيداً عن أي إملاءات خارجية. كما تعكس إعادة تفعيل مدروسة لأدوات الردع، دون الانجرار إلى خطاب تصعيدي مباشر.
القلق داخل الكيان الصهيوني لم يقتصر على الجانب العسكري، بل امتد إلى متابعة دقيقة للخطاب الإعلامي والشعبي في مصر، حيث جرى تفسير بعض التعبيرات المتداولة على أنها مؤشرات على تغير في المزاج العام. إلا أن هذا التفسير يعكس في جوهره حساسية مفرطة لدى الاحتلال تجاه أي تحول في البيئة الإقليمية، خاصة عندما يصدر عن دولة تمتلك وزناً عسكرياً وتاريخياً بحجم مصر.
في المقابل، تكشف دعوة كوهين إلى استغلال المساعدات الأمريكية كورقة ضغط على القاهرة عن إدراك ضمني بتآكل فعالية أدوات الردع التقليدية، والبحث عن بدائل سياسية واقتصادية لتعويض هذا القلق المتنامي. غير أن هذا الطرح يبرز أيضاً حدود القدرة الصهيونية على التأثير في القرار المصري، الذي بات أكثر ارتباطاً بحسابات الأمن القومي المباشر.
ضمن هذا المشهد، تبدو مصر وكأنها تنجح في فرض معادلة ردع هادئة، تقوم على إظهار الجاهزية دون استفزاز، وإرسال رسائل قوة دون الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة. في المقابل، يظهر الكيان الصهيوني المحتل في موقع المتلقي لهذه الرسائل، يعيد حساباته تحت ضغط الذاكرة والتغيرات الميدانية، في مشهد يعكس تحولاً تدريجياً في توازنات الإدراك قبل توازنات القوة.
اكتشاف المزيد من مآلات ميديا
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.




















