مآلات ميديا – مآلات سياسية :
في لحظة حساسة تعيد تشكيل التوازنات داخل حلف الناتو، تعود الخلافات بين برلين وواشنطن إلى الواجهة مجدداً، هذه المرة عبر معضلة نشر الصواريخ الأمريكية بعيدة المدى على الأراضي الألمانية، وسط أسئلة متنامية حول ما إذا كان ذلك يُعد مجرد تعديل تكتيكي أم مؤشراً على تحوّل أعمق في السياسة الدفاعية الأمريكية تجاه أوروبا. فالجدل الدائر حول إمكانية إلغاء نشر صواريخ “توماهوك” في ألمانيا لم يعد يقتصر على ملفات تقنية وعسكرية، بل تحوّل إلى اختبار للمستوى الفعلي للاستعداد الأوروبي للاستقلال عن شبكة الضمانات الأمريكية التي سادت طوال عقود.

وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس يُظهر بوضوح قلقاً جدياً من أن تراجع واشنطن عن نشر هذه الصواريخ يخلق ما يصفه بـ”ثغرة” في القدرات الدفاعية لألمانيا، خصوصاً وأنها كانت مقررة كحل مؤقت، يسد الفراغ لحين تطوير قدرات صاروخية أوروبية مستقلة. هذا التصريح لا يعكس فقط قلقاً مهنياً بشأن موازنة القوة في مواجهة التهديد الروسي، بل يحمل قراءة سياسية مفادها أن البرج الأوروبي في مسالة الردع ما يزال متكئاً على حجر أمريكي متحرك، وأن أي تغيير في مكان هذا الحجر قد يهز استقرار البناء بأكمله.

في المقابل، يحاول وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول احتواء قلق الداخل الأوروبي عبر تأكيد أن أي تراجع محتمل من واشنطن لن يُخلّ بقدر الردع التقليدية للحلف، وأن الأفكار قيد البحث للتعويض عن أي فراغ ناتج عن عدم نشر الصواريخ. هذه المساعي لطمأنة الرأي العام الأوروبي تُقرأ من زاوية أخرى كجزء من محاولة لإدارة الانتقال التدريجي نحو نسخة أوروبية محددة من الردع، تُقلل الاعتماد على واشنطن، لكنها تظل محفوفة بعدم اليقين، خاصة في ظل تجربة سابقة أظهرت أن وعوداً أمريكية بتسليم أنظمة صاروخية متوسطة المدى لم تعد تُعدّ خيارات مضمونة فعلياً.

في الخلفية، تعمل الضغوط الأمريكية المتزايدة على رفع إنفاق الحلفاء إلى مستويات قياسية، وسط ما تُعرف بسياسة “تقاسم الأعباء” التي جعلت من أوروبا الشريك الذي يُطلب منه أن يحمل قسطاً أكبر من المسؤولية الاقتصادية والأمنية، ما يعزز الانطباع بأن واشنطن تقوم بترحيل مهام بعيدة المدى إلى الشريك الأوربي، بينما تُبقي لنفسها القدرة على التدخل في النقاط الاستراتيجية الحاسمة فقط. هذه الديناميكية تُعيد طرح سؤال قديم بوجه جديد: هل تُعد أوروبا مستعدة لتحمل عبء أمنها بشكل كامل، أم أن مشروع “السيادة الدفاعية” يبقى مرحلياً وتحت إشراف أمريكي مرن؟

في هذا المشهد، يبدو الخطاب الألماني نفسه حالة مزدوجة من التناقض، إذ يجمع بين إقرار صريح بأن ثغرة قدراتية محتملة قد تُفتح في غياب الصواريخ الأمريكية، وبين رفض تحويل هذا الاحتمال إلى مادة ذعر عام أو تذمر مكشوف. هذا التوازن الدقيق يعكس قراءة استراتيجية مفادها أن أوروبا تقف على عتبة مرحلة جديدة، تُفرض عليها فيها قيادة أمنية مشتركة أكثر من أن تُترك للإرادة الأمريكية وحدها، لكنها لم تُكمل بعد بناء الجاهزية الدفاعية والصناعية لخوض هذه المهمة بشكل مستقل.

ضمن هذا السياق، يبرز السؤال الأكبر الذي لا يزال دون إجابة نهائية: هل ما يُسمّى بـ “تعديل هادئ في معادلة الحماية الأمريكية” لن يتحول مع الوقت إلى إعادة تشكيل جذرية لدور واشنطن داخل الناتو، بحيث تتحول من الحامي الأوحد إلى شريك عسكري قوي، لكن ليست له الكلمة العليا دائماً؟ فالأزمة التي تبدأ بجدل حول صواريخ “توماهوك” قد تنتهي بمرحلة يُعاد فيها تعريف هوية الحلف وأولوياته، في مواجهة عالم متعدد الأقطاب، وأوروبا يُطلب منها أن تختار: إما أن تُكمل بناء ردعها الذاتي، أو أن تبقى متأرجحة بين حماية غير مضمونة وسيادة غير مكتملة.


اكتشاف المزيد من مآلات ميديا

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.