محمد خالد الحسيني – مآلات ميديا:
هل يخسر البحر أم تنتصر البدائل؟ هل تنجح إيران في تجاوز الحصار البحري؟ مع تصاعد الضغوط الأميركية وتنامي الحديث عن تضييق الخناق على الملاحة، تجد إيران نفسها أمام تحدٍ اقتصادي يتجاوز الأبعاد التقليدية للعقوبات، ليصل إلى محاولة التأثير على شريانها التجاري الأهم .. البحر. فالنقل البحري بالنسبة لطهران ليس مجرد خيار، بل هو العمود الفقري لحركة صادراتها ووارداتها، خصوصًا في ما يتعلق بالنفط، الذي يشكل المصدر الرئيسي للعملة الصعبة. أي قيود تُفرض على هذا المسار، خاصة عبر مضيق هرمز، تنعكس مباشرة على مفاصل الاقتصاد .. انخفاض في الإيرادات النفطية، ضغوط متزايدة على العملة، تباطؤ في النشاط الصناعي، وارتفاع محتمل في معدلات التضخم والبطالة. هذه التداعيات تجعل من الحصار البحري، إن اشتد، أداة ضغط ذات أثر عميق، لا يقتصر على الاقتصاد فحسب، بل يمتد إلى الاستقرار الاجتماعي. لكن قراءة المشهد من زاوية واحدة قد تكون مضللة، فإيران، على عكس العديد من الدول التي تعتمد بشكل مطلق على المنافذ البحرية، تمتلك هامش مناورة جغرافيًا واستراتيجيًا يمنحها قدرة على التكيّف، حتى وإن كان ذلك بتكلفة أعلى وكفاءة أقل. أول هذه الأوراق يتمثل في الجغرافيا، فإيران تمتد بحدود برية طويلة مع عدد من الدول، ما يتيح لها إعادة توجيه جزء من تجارتها عبر الطرق البرية. خلال السنوات الماضية، عملت طهران على تطوير شبكة النقل البري، سواء عبر الطرق أو السكك الحديدية، بهدف ربطها بدول الجوار ومن ثم بالأسواق الآسيوية والأوروبية. هذه الشبكات لا تضاهي القدرة الاستيعابية للنقل البحري، لكنها توفر بديلًا حيويًا في أوقات الأزمات. ثانيًا، يبرز مشروع ممر الشمال–الجنوب، كأحد أهم الأدوات الاستراتيجية التي تعوّل عليها إيران. هذا الممر يربط بين الخليج وبحر قزوين مرورًا بالأراضي الإيرانية، وصولًا إلى روسيا وأوروبا، ويُعد مسارًا تجاريًا واعدًا يمكن أن يقلل من الاعتماد على الطرق البحرية التقليدية. وعلى الرغم من التحديات اللوجستية والسياسية التي تواجهه، فإن تطويره بشكل متسارع يمنح طهران فرصة لإعادة رسم خريطة تدفق تجارتها. إلى جانب ذلك، تحاول إيران الاستفادة من موانئها على بحر قزوين، التي تفتح لها نافذة نحو آسيا الوسطى، بعيدًا عن المسارات الخاضعة للرقابة المشددة. كما تسعى إلى تعميق علاقاتها الاقتصادية مع دول في الشرق، خصوصًا تلك التي لا تلتزم بشكل كامل بالعقوبات، ما يوفر قنوات بديلة لتصريف النفط واستيراد السلع. ولا يمكن إغفال عامل الاقتصاد الداخلي في هذه المعادلة، فإيران، التي عاشت سنوات طويلة تحت العقوبات، طورت نوعًا من التكيّف مع الضغوط الخارجية. هذا التكيّف يظهر في محاولات تعزيز الإنتاج المحلي، وتقليل الاعتماد على الواردات، وبناء مخزون استراتيجي من السلع الأساسية. ورغم أن هذه الإجراءات لا تلغي الحاجة إلى التجارة الخارجية، فإنها تخفف من حدة الصدمات. مع ذلك، تبقى هناك حدود واضحة لهذه الاستراتيجية، فالنفط، الذي يُنقل بكميات هائلة عبر الناقلات البحرية، لا يمكن تعويضه بسهولة عبر وسائل النقل البرية. كما أن كلفة النقل البديل أعلى، والوقت اللازم أطول، ما يقلل من القدرة التنافسية للسلع الإيرانية في الأسواق العالمية. وهذا يعني أن طهران، حتى مع نجاحها في الالتفاف الجزئي، ستتحمل خسائر اقتصادية ملموسة. لكن جوهر الاستراتيجية الإيرانية لا يقوم على تجاوز الحصار بمعناه الكامل، بل على تفكيك أثره وتقليص تداعياته إلى الحد الأدنى الممكن. فبدلًا من البحث عن بديل مطابق للنقل البحري، تعمل إيران على توزيع المخاطر، وفتح مسارات متعددة، بحيث لا يؤدي إغلاق مسار واحد إلى شلل كامل. في المحصلة، لا يبدو أن الحصار البحري، إن تحقق بشكل واسع، قادر على عزل إيران بالكامل، لكنه في الوقت نفسه يشكل ضغطًا حقيقيًا على اقتصادها. وبين هذين الحدين، تتحرك طهران ضمن مساحة معقدة من التحديات والفرص .. تضييق خارجي يقابله سعي داخلي لإعادة التكيّف. وعليه، يمكن القول إن إيران قد لا تنجح في تجاوز الحصار البحري بصورة كاملة وسريعة، لكنها تمتلك من الأدوات والخيارات ما يسمح لها بتجاوزه جزئيًا، والاستمرار في إدارة اقتصادها تحت الضغط. إنها معركة صبر بقدر ما هي معركة طرق وممرات، حيث لا يُحسم المشهد بالقوة وحدها، بل بمرونة التكيّف وقدرة الدولة على إعادة ابتكار وسائل البقاء. محمد خالد الحسيني


اكتشاف المزيد من مآلات ميديا

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.