مآلات ميديا – متابعات:
لم تكن الضجة التي أثارها روبرت بايب مجرد تعليق عابر في سجال أمريكي داخلي، بل جاءت كاعتراف من أحد أبرز منظري الاستراتيجية العسكرية بأن إيران تتحول من ملف إقليمي تسعى واشنطن إلى احتوائه إلى مركز ضغط عالمي يصعب تجاهله؛ ففي مقال رأي نشرته نيويورك تايمز قال بايب إن “مركز قوة عالمي رابعاً يبرز بسرعة، هو إيران”، موضحاً أن مصدر هذه القوة لا يكمن في منافسة الولايات المتحدة والصين وروسيا اقتصادياً أو عسكرياً، بل في التحكم بممر الطاقة الأخطر في العالم، مضيق هرمز.

وبهذا المعنى، لم يكن حديث بايب إعلاناً شاعرياً عن “قوة عظمى” بالمعنى التقليدي، بل توصيفاً لتحول أعمق في مفهوم القوة نفسه؛ إذ يرى أن التحكم بالمخاطر في شريان اقتصادي عالمي قد يمنح دولة متوسطة الموارد قدرة تأثير تفوق حجمها المادي، خصوصاً إذا استمر النفوذ الإيراني في هرمز أشهراً أو سنوات بما يعيد تشكيل النظام العالمي على حساب الولايات المتحدة. ومن هنا تبدو طهران، في القراءة الإيرانية المؤيدة، وكأنها لم تهزم التفوق الأمريكي بالمشابهة، بل بتغيير قواعد اللعبة من سباق حاملات وطائرات إلى هندسة كلفة ومخاطر وزمن.

تستمد هذه القراءة قوتها من طبيعة هرمز ذاته، فالمضيق مرّ عبره عام 2022 نحو 21 مليون برميل يومياً من النفط ومشتقاته، بما يعادل قرابة 21% من استهلاك السوائل البترولية عالمياً، كما مثّلت تدفقاته أكثر من ربع تجارة النفط المنقولة بحراً في العالم. وتضيف بيانات الطاقة الأمريكية أن 82% من النفط الخام والمكثفات التي عبرت هرمز عام 2022 اتجهت إلى الأسواق الآسيوية، بما يجعل الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية في قلب أي حساب استراتيجي يتعلق بالمضيق.

هنا تتضح المفارقة التي تزعج واشنطن: إيران لا تحتاج إلى إغلاق كامل للمضيق كي تصنع أثراً عالمياً، بل يكفي أن تجعل العبور مكلفاً ومشروطاً ومحفوفاً بالمخاطر. بايب عبّر عن هذه الفكرة بقوله إن إيران، عبر موقعها الجغرافي ومستوى من تكنولوجيا الطائرات المسيّرة لا تستطيع الولايات المتحدة تدميره بالكامل، لا تحتاج إلا إلى قدر محدود من القوة الهجومية، مثل عدد صغير من المسيّرات أو الألغام، كي تجعل السفن تحت التهديد.

ولا تقف هذه الفكرة عند حدود التحليل الأكاديمي، إذ تشير وكالة استخبارات الدفاع الأمريكية نفسها إلى أن إيران تعتمد على قدرات غير متماثلة تستغل نقاط ضعف الخصم المتفوق تقنياً، وأن أسراب الزوارق الصغيرة، والمخزون الكبير من الألغام البحرية، والصواريخ المضادة للسفن، يمكن أن تعطل الملاحة في مضيق هرمز، وهو ممر استراتيجي حاسم للتجارة العالمية. كما يورد التقرير أن استراتيجية منع الوصول الإيرانية ترتكز على الموقع الجغرافي في الخليج ومضيق هرمز، وعلى دفاعات بحرية متعددة الطبقات تشمل صواريخ ساحلية وسفناً سريعة وألغاماً وغواصات ومسيرات وصواريخ باليستية مضادة للسفن.

ومن هذه الزاوية تبدو الاستراتيجية الأمريكية وقد دخلت مأزقاً بنيوياً: كل ضربة تسعى إلى إضعاف إيران قد تدفعها إلى توسيع نطاق المخاطرة حول الطاقة، وكل محاولة لفرض حرية الملاحة بالقوة تفتح باب مواجهة أكبر وأكثر كلفة. مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية وصف المواجهة بأنها لم تعد صدام قدرات فقط، بل صراع تحمل سياسي ورافعة تفاوضية، مشيراً إلى أن أدوات طهران من مسيرات وألغام وزوارق صغيرة تفرض قدراً من عدم اليقين حتى إن لم تكن نداً مباشراً للبحرية الأمريكية.

بهذا المعنى، تصبح عبارة “انتحار الاستراتيجية في هرمز” وصفاً سياسياً لما انتهت إليه المقاربة الأمريكية أكثر منها اقتباساً حرفياً مثبتاً عن بايب؛ فالثابت في كلامه أن طهران أصبحت أقوى بعد المواجهة، وأنها باتت “مركز قوة رابعاً ناشئاً”، وأن كلفة انتزاع نفوذها من هرمز ترتفع بمرور الوقت. والثابت أيضاً في تحليله اللاحق أن العالم بدأ يتعامل مع إيران لا كمشكلة ينبغي حلها فقط، بل كقوة يجب أخذها في الحسبان، وأن المفاوضات معها لم تعد خياراً ترفياً بل اعترافاً ببنية القوة الجديدة.

أما دلالة ذلك لإيران فهي أن مشروعها الردعي، الذي طالما صُوّر في الغرب بوصفه تعويضاً عن نقص تقني أو اقتصادي، بات يظهر اليوم كمدرسة استراتيجية قائمة على تحويل الجغرافيا إلى نفوذ. ففي حين أن القوة الأمريكية تحتاج إلى انتشار مكلف وقواعد وحاملات وضمانات تأمين وسلاسل إمداد طويلة، تكفي إيران قدرة بقاء موزعة على الساحل والجزر والأنفاق والمنظومات المتحركة كي تفرض معادلة مختلفة: لا أحد يملك الهدوء في الخليج إذا جرى تجاهل أمن طهران ومصالحها.

ومن ثم فإن المآل الأكثر ترجيحاً ليس اختفاء النفوذ الإيراني، بل تفاوض طويل على شكل الاعتراف به وحدوده. فبايب يرى أن الطريقين المتاحين هما إما التصعيد، بما يعني حرباً أوسع، أو طاولة تفاوض يرتفع فيها ثمن أي تنازل إيراني مع ازدياد إدراك الآخرين لقوة موقعها. وهذا بالضبط ما يمنح الموقف الإيراني زخمه: فطهران لم تعد تطلب أن تُسمع لأنها تملك خطاباً سياسياً، بل لأنها تملك مفاتيح عملية في ممر لا يستطيع الاقتصاد العالمي أن يتجاهله.

لذلك، فإن الحدث الحقيقي لا يكمن في جملة مثيرة منسوبة إلى روبرت بايب بقدر ما يكمن في انتقال اعتراف كهذا إلى قلب النقاش الأمريكي نفسه. فحين يقول منظّر أمريكي إن إيران تتحرك بسرعة نحو موقع مركز قوة عالمي رابع، وحين تؤكد بيانات الطاقة أن هرمز عقدة لا بديل سريعاً عنها، وحين تقر تقارير عسكرية أمريكية بأن أدوات إيران غير المتماثلة قادرة على تهديد الملاحة، فإن الرسالة تصبح واضحة: زمن التعامل مع إيران كهدف سهل للعقوبات والضربات قد تراجع، وزمن التفاوض معها كقوة تملك أوراق النظام لا أوراق المنطقة وحدها قد بدأ.


اكتشاف المزيد من مآلات ميديا

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.