إن الخطر الحقيقي الذي يهدد أي مسيرة بناء وتنمية لا يكمن دائمًا في العدو الظاهر أو الهزائم الميدانية، بل يتجلى في أولئك الذين يتصدرون المواقع القيادية وهم يرفعون الشعارات الصحيحة، لكنهم يمارسون نقيضها في الواقع العملي. فالمسؤول الذي يُكلَّف بخدمة الناس، ثم يحوِّل موقعه إلى وسيلة لتحقيق مصالح شخصية، أو وجاهة اجتماعية، أو نفوذ، أو حماية لشبكة خاصة به، لا يسيء بذلك إلى مؤسسة من مؤسسات الدولة فحسب، بل يخون الأمانة التي حمَّله إياها السيد القائد، ويسقط من داخل الواقع العملي شيئًا من قيمة المنهج الذي نتحرك على أساسه.
إن مفهوم المسؤولية في المنظور الجهادي يتجاوز كونه وظيفة إدارية جامدة ليصبح أمانة عظيمة أمام الله، وجزءًا لا يتجزأ من معركة الصمود والبناء، وخدمة الناس، وإقامة القسط. ولهذا، فإن أي مسؤول يتعامل مع موقعه كغنيمة شخصية، أو يستثقل مصالح الناس، أو يغيب عن الميدان الإداري، أو يترك مكتبه مرتعًا للبيروقراطية والمحسوبية، لا يخذل الناس فحسب، بل يسيء إلى المسيرة برمتها ويضرب ثقة المجتمع بها. منطلقنا في فهم المسؤولية واضح؛ فالدين ليس مجرد حالة وعظيه منفصلة عن شؤون الحياة، بل هو مسؤولية وهداية وعمل وتكليف جماعي. لذا، لا نفصل بين المنهج والدولة، ولا بين القيم والإدارة، ولا بين الخطاب والواجب العملي. فالمسؤول في أي جهة ليس مجرد موظف ينفذ إجراءات، بل هو في موقع اختبار حقيقي: هل سيجعل من موقعه وسيلة لخدمة الناس وإقامة العدل، أم سيجعله أداة لتعطيل الحقوق وتكريس المصالح؟ ومن هنا، جاء تأكيد السيد القائد المتكرر على أن الأمانة هي المنطلق القرآني الأساسي في إطار المسؤولية، وأن علاقة السلطة التنفيذية بشؤون الناس علاقة حساسة ومهمة. وهذا يكفي ليفهم كل مسؤول أن موقعه ليس ممارسة لهواية، ولا مساحة للتسلط، ولا فرصة للاستفادة الشخصية، بل هو حمل ثقيل يتطلب وعيًا ويقظة وحضورًا وانضباطًا.
تتجلى مظاهر الخيانة والتفريط في الأمانة عندما يُقصِّر المسؤول في إنجاز أمور الناس، أو يهمل الحضور، أو يترك أبواب الجهة التي يديرها للفوضى والابتزاز والتعطيل. هذه الأفعال لا تُسجَّل عليه كضعف إداري فحسب، بل هي تفريط مباشر في الأمانة. وبلغة المسيرة، هذا ليس مجرد خلل في الأداء؛ بل هو انحراف عن المنطلق القرآني نفسه، لأن الأمانة ليست مجرد كلام يُقال في اللقاءات، بل هي سلوك يُرى في الميدان، وفي الدوام، وفي القرار، وفي كيفية التعامل مع المواطن. كل مسؤول يعرف في قرارة نفسه: هل هو حاضر في مؤسسته أم غائب؟ هل يُنجز للناس أم يعقد أمورهم؟ هل يختار الأكفاء أم المقرّبين؟ هل يخاف الله في قراره أم يخاف على صورته ونفوذه؟ هل يتعامل مع موقعه كأمانة أم كامتياز؟
كما أن الإحسان والرشد هما ركيزتان أساسيتان غالبًا ما تُفقدان في ممارسات بعض المسؤولين. فالإحسان في الشأن العام لا يعني المعنى الوعظي المحدود، بل يعني أن يؤدي المسؤول عمله بأفضل صورة ممكنة، بنية صادقة، وروح خادمة، وتعامل راقٍ مع الناس، وانضباط في القرار والتنفيذ. يعني أن يشعر المسؤول بآلام المجتمع، وأن يعتبر تسهيل معاملة المواطن عبادة، وحل مشكلته واجبًا، وأن يرى في موقعه فرصة للتخفيف عن الناس لا للتثقل عليهم. أما الرشد، فهو أن يكون المسؤول مستقيم الوجهة، صحيح الوعي، حكيمًا في القرار، منضبطًا بالمنهج، بعيدًا عن الارتجال والهوى والمصلحة الضيقة. والتمكين، وهو ما يُمنح للمؤمنين من قدرة وسلطة وإمكانات لإقامة العدل وخدمة الأمة ومواجهة التحديات، إذا أُعطي لمن لا رشد له، تحولت السلطة إلى أداة تسلط، وتحول المنصب إلى وسيلة إفساد، وتحول القرار إلى باب ضرر على الناس وعلى المسيرة معًا. لذا، فإن سوء اختيار المسؤولين، أو الإبقاء على مسؤول ثبت عجزه أو فساده أو أنانيته، ليس مسألة ثانوية، بل هو خلل عميق في فهم العلاقة بين الرشد والتمكين؛ لأن التمكين ليس مكافأة على القرب، ولا جائزة على التزلف، بل مسؤولية لا تُحمل إلا لمن يثبت وعيه وأمانته وقدرته على خدمة الناس.
ومن أهم ما يميز هذا المشروع هو أنه لا يريد لنا أن نكون منفصلين عن الواقع، ولا غارقين فيه دون معيار. لهذا كان العنوان الواضح: عين على القرآن وعين على الأحداث. أي أن المسؤول لا يكتفي بحفظ المفاهيم، بل يجب أن يقرأ الواقع، ويفهم المتغيرات، ويشخص المشكلة، ويقدِّر الأولويات، ويتصرف بحكمة منضبطة بالقيم. وعندما نرى مسؤولًا يعيد الكلام نفسه في كل مناسبة لكنه يفشل في معالجة أبسط الاختلالات في الجهة التي يديرها، فهذا يعني أنه أخذ من الشعار نصفه وترك نصفه الآخر. أخذ لغة القرآن في الخطاب، ولم يأخذ مسؤولية قراءة الأحداث والواقع في الإدارة. كما أن من يبرر كل فشل بالظروف، دون أن يبذل جهدًا حقيقيًا في المعالجة، والابتكار، والتطوير، لا يكون قد عمل بعين المسؤولية، بل بعين التهرب منها.
و من الجدير بالذكر ان الدورات الثقافية ليست مجرد برنامج تثقيفي، بل هي وسيلة لبناء الوعي وضبط التوجه وتصحيح الفهم وتحصين من الانحراف. وهي مهمة لأنها تعيد المسؤول والموظف والناشط إلى المنطلقات الصحيحة، وتذكره بأن العمل في الشأن العام له أساس إيماني وأخلاقي وتعبوي واضح. لكن المشكلة لا تكمن في حضور الدورة أو الغياب عنها فقط، بل في أثرها العملي. فما قيمة أن يتحدث المسؤول في القاعة عن الأمانة، ثم يخرج إلى مكتبه فيمارس الإهمال والتعالي والمحسوبية؟ وما قيمة أن يردد مفردات المشروع القرآني ثم يعطل مصالح الناس أو يتركهم أسرى لدوائر الفساد الصغير في إدارته؟ حينها تصبح الدورة حجة عليه لا له، لأن من استمع للحجة ثم خالفها كان جرمه أعظم، وكانت إساءته إلى المسيرة أبلغ.
و من أخطر الآفات التي قد تتسلل إلى صفوف المسؤولية هي دخول من لا يحمل روحها، بل يحمل فقط رغبة الصعود. هؤلاء ليسوا دائمًا من الخصوم المعلنين، بل قد يكونون من الذين يحسنون التكيف مع لغة المرحلة، ويتقنون إظهار الولاء، ثم يجعلون من مواقعهم سلمًا لمصالحهم الشخصية. لقد كان السيد القائد واضحًا في التحذير من الأطماع والمكاسب الشخصية، لأنها تضرب الألفة والتعاون والنجاح في العمل الجماعي. إن المتسلق أخطر من الجاهل أحيانًا؛ لأن الجاهل قد يُصلح، أما المتسلق فيعرف ماذا يقول ومتى يقول، لكنه لا يريد من الموقع إلا ما يعود عليه. يقترب من المسؤولية لا من باب الخدمة، بل من باب الاستثمار الشخصي. يطلب الموقع ليكبر اسمه، لا ليحمل الهم. ويجمع حوله المنتفعين، لا الأكفاء. ويخاف على كرسيه أكثر مما يخاف على أمانته.
إن الخيانة هنا لا تُفهم فقط بمعنى التمرد أو العصيان المباشر. فالخيانة قد تكون أهدأ من ذلك بكثير، لكنها أخطر أثرًا. حين يوجه السيد القائد إلى خدمة الناس، وإنجاز معاملاتهم، والارتقاء بالأداء العملي، والتقييم المستمر، والتكامل في الأدوار، ثم يأتي مسؤول فيتعامل مع هذه التوجيهات كخطاب للاستهلاك لا كواجب ملزم، فهو بهذا المعنى يخون السيد القائد. وحين يشدد السيد القائد على أن المسؤولية ليست موقعًا للتسلط، ثم يتحول بعض المسؤولين إلى مراكز إغلاق وتعسير واستعلاء، فهم يخونونه. وحين يؤكد أن الأمانة هي المنطلق القرآني الأساس، ثم تُدار بعض الجهات بالعلاقات والمزاج الشخصي وتبادل المصالح، فهذه خيانة. وحين يحذر من الأطماع والمقاصد الشخصية ثم نجد من لا يتحرك إلا إذا كان له مكسب أو نفوذ أو حضور اسمي، فهذه خيانة أوضح.
تظهر الخيانة أيضًا في أن ينظر المسؤول إلى موقعه بعقلية الامتياز، لا بعقلية الحمل، فيعطي الأولوية لظهوره ومكانته على حساب مصلحة الناس. وتتجلى في أن يخفق في حضوره في مكتبه، وأن يترك مكاتب الجهة مفتوحة للابتزاز، وأن يُقصِّر في رقابة موظفيه، وأن يُفرّغ من مضمون الدورات الثقافية بسلوكه. كما تظهر في أن يُقيِّمَ العاملين بمنطق المحاباة لا بمنطق الكفاءة، فيفضّل المقرّب على الأصلح، ويجعل من الجهة جزءًا من شبكة نفوذ شخصية، لا جزءًا من مؤسسة عامة يُطالب بإصلاحها وتحسين خدماتها. وتبرز الخيانة كذلك في أن يُقدّمَ المبررات في كل مرة يُساءل فيها، باسم العدوان، وبحجة قلة الإمكانات، وبدعوى التراكم التاريخي، وكأن الناس ليسوا أحق بأثر ملموس من هذا المشروع القرآني في حياتهم اليومية.
من يشعر بالاستهداف عند قراءته لهذا الكلام، فهذا لأن المقصود في حقيقته ليس شخصًا بعينه، بل نمطًا متكررًا يعرفه كل من يعمل في الشأن العام. كل مسؤول يسأل نفسه في قرارة نفسه: هل هو حاضر في مؤسسته أم غائب؟ هل يُنجز للناس أم يعقد أمورهم؟ هل يختار الأكفاء أم المقرّبين؟ هل يخاف الله في قراره أم يخاف على صورته ونفوذه؟ هل يتعامل مع موقعه كأمانة أم كامتياز؟ هذا هو السؤال الذي يجعل هذا المقال يشعر كل مسؤول أنه هو المقصود. ليس لأن الكل مثل بعض، بل لأن الأمانة لا تسمح لأحد بأن يبقى في منطقة غامضة، يدّعي الالتزام الخطابي بينما يسيء خدمة الناس، ويتقاضى المسؤولية بينما يفرّط في أبعادها العملية.
إن الخيانة لا تتكون في يوم واحد، بل تتشكل في مجموع صغير من الاختيارات اليومية: تأخير المعاملة بلا مبرر، و تشديد الطريق على من لم تصله اليد، وتجاهل الشكاوى، واعتماد الولاءات على الكفاءات، وارتفاع سقف الاهتمام بمصلحة المقربين على حساب الأغلبية. كل هذه الخطوات لا تُصنَّف داخليًا دائمًا كـ“خيانة”، لكنها تُنتج في وعي المواطن صورة واحدة: مسؤول يرفع شعار المسؤولية، لكنه يُطبق نسخة مخففة منها في الواقع. وهذا هو ما يشعر به المواطن، لا الكلمات، بل التجربة المعاشة: هو يعرف المسؤول الذي عطّل له المعاملة، أو أذله في مكتب، أو ترك الفساد الصغير ينمو في مؤسسته حتى صار عادة، أو غاب عن هموم الناس، أو أحاط نفسه بمن يحجبون الحقيقة عنه. وهو حين يقرأ عن الأمانة والإحسان والرشد والتمكين في مقالات أو خطابات، ثم لا يرى لها أثرًا في واقعه، فإن أول ما يخطر بباله ليس أن المفاهيم خاطئة، بل أن من يحملها قد خانها في تطبيقه.
لهذا فإن حماية المسيرة لا تكون فقط بالهتاف في وجه العدو، ولا بالشعارات في المناسبات، بل تبدأ من الداخل، من تطهير الأداء، ومحاسبة المقصر، وعزل المتسلق، وتقريب الصادق الكفؤ، وربط كل موقع عام بميزان واضح: هل يخدم الناس فعلًا؟ هل يترجم توجيهات السيد القائد إلى واقع؟ هل يحفظ الأمانة أم يبددها؟ عندما يُسأل المسؤول عن هذه الأسئلة قبل كل شيء، يصبح من الصعب عليه أن يحتفظ بالشعار في مكتبه، والسلوك في سجل الناس. لأن المسيرة حين تُقاس من الداخل بجودة الخدمة، وبمدى رضى الناس، وبحماية مصالحهم من استغلال النفوذ، تتحول المسؤولية من إطار تعبوي إلى عملية حية يُحاسب عليها المسؤول يوميًا، ليس فقط أمام القيادة، بل أمام من تُستنزَفُ حياته اليومية في معاملة بسيطة لا تجد من يُنجزها، أو في خدمة مهملة تتحول إلى مثال واضح على ما تعنيه خيانة الأمانة.
اكتشاف المزيد من مآلات ميديا
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.





















احييك