محمد خالد الحسيني – مآلات ميديا :
تبخّرت هواجس ترامب التي كانت تُسَوَّق على أنه قَدَر هذه الحقبة الزمنية، وقَدَر الشعوب والمنطقة، يؤتي الملك من يشاء، وينزعه عن من يشاء، يحيي من يشاء ويميت من يشاء، حين اصطدم بواقع بعيد عن أمانيه وأطماعه المغرورة والحمقاء. لم يعد اليوم ممكناً الاختباء خلف الشعارات، يا سيادة الرئيس دونالد ترامب، فما كان يُقدَّم يومًا باعتباره تفوقًا مطلقًا للولايات المتحدة وإسرائيل، بات اليوم محل اختبار حقيقي أمام وقائع ميدانية معقدة ومفتوحة على احتمالات غير محسوبة. لم يعد ما يجري في المنطقة مجرد صراع تقليدي، بل لحظة انكشاف تاريخي .. الهيمنة التي طالما روّجت لها الولايات المتحدة لم تعد تقف على أرض صلبة، بل تتآكل تحت ضغط واقع لا يخضع لإرادتها. القوة التي كانت تُقدَّم كقدرٍ لا يُرد، باتت اليوم عاجزة عن فرض نتائج حاسمة، مهما صعّدت أو لوّحت. أما إسرائيل، التي بنت صورتها على الردع المطلق، فتجد نفسها أمام معادلة مقلقة .. تفوق عسكري بلا حسم، وضربات بلا نهاية، ومواجهة مفتوحة لا تنكسر فيها الإرادة المقابلة، والشاهد طهران وغزة ولبنان. ما كان يُعتقد أنه معركة خاطفة، تحوّل إلى استنزاف طويل يكشف حدود القوة ويعرّي هشاشتها. ففي غزة، لم تُطوَ الصفحة كما أُريد لها أن تطوى، بل فُتحت على مصراعيها، وفي لبنان، المعادلة أكثر تعقيدًا .. أي محاولة لفرض واقع بالقوة تصطدم بواقع مضاد لا يقبل الإملاءات، ولا يرضى بأقل من لبنان، كامل لبنان. المشهد اليوم لم يعد يُقرأ من زاوية القوة العسكرية وحدها، بل من زاوية القدرة على الصمود وإعادة التشكّل. رهانات أمريكا، سواء في التعامل مع إيران أو في إعادة رسم توازنات المنطقة، التي بُنيت على الضغوط القصوى لم تُفضِ إلى النتائج الحاسمة التي كانت متوقعة، بل كشفت حدود القوة عندما تصطدم بواقع سياسي وأمني شديد التعقيد. إن رهانات دونالد ترامب على كسر خصومه عبر الضغوط القصوى تبدو اليوم أقرب إلى مغامرة غير مكتملة. فإيران، التي كان يُفترض أن تُحاصر وتُضعف، تحولت إلى عقدة صلبة أربكت الحسابات بدل أن تنكسر تحتها. إسرائيل التي سوّقت نفسها كقوة لا تُقهر، تجد نفسها في مأزق مفتوح .. ضربات بلا حسم، تفوق بلا نتيجة، واستنزاف يطول أكثر مما خُطط له. والسؤال لم يعد هل تملك القوة؟ بل لماذا لا تستطيع إنهاء ما بدأته؟ إن المعادلة التي تفرض نفسها اليوم ليس فيها انتصارًا مطلقًا لطرف، ولا هزيمة كاملة لآخر، بل إعادة تشكيل مستمرة لموازين القوى. واقع جديد يتكوّن، عنوانه أن المنطقة لم تعد تقبل بالمعادلات القديمة بسهولة، وأن الصراع بات أكثر تعقيدًا من أن يُحسم بخطاب أو قوة منفردة. النتيجة ليست هدوءًا مفروضًا، بل توازن توترٍ قابل للاشتعال في أي لحظة. إن ما يجري اليوم ليس انتصارًا نظيفًا ولا هزيمة مكتملة، بل فضيحة استراتيجية تُعرّي حدود القوة وتكشف زيف الروايات الكبرى. المشهد بأكمله يعيد تعريف القوة .. ليست في القدرة على الضرب فقط، بل في القدرة على الاحتمال، على الاستمرار، وعلى إعادة بناء الذات وسط العاصفة. هنا، تتغير القواعد، لا انتصارات سريعة، ولا هزائم نهائية، بل صراع مفتوح يعيد تشكيل المنطقة على إيقاع مختلف. ما نراه ليس نهاية معركة، بل بداية زمن جديد، زمن تتكسر فيه الصور القديمة، وتُعاد كتابة موازين القوى من الصفر. هذه ليست قصة انتصار، بل قصة فشل في فرض النهايات، ما يتكشف الآن هو حقيقة أكثر إزعاجًا .. القوة العسكرية قادرة على التدمير، لكنها ليست ضمانًا للسيطرة وفرض واقع كما يُراد له أن يقع. والهيمنة الإعلامية قادرة على الضجيج، لكنها لا تغيّر الوقائع، العالم الذي كان يُدار بمنطق الأمر الواقع لم يعد يعمل كما كان. وكل محاولة لفرضه بالقوة فقط، تنتج واقعًا أكثر تعقيدًا، وأكثر مقاومة، وأقل قابلية للانصياع. إذن ما نشهده اليوم ليس نهاية الصراع، بقدر ماهو انهيار للطريقة القديمة في فهم وإدارة الصراع. أخيراً، أمريكا الراعي الأكبر، لكل ما يجري تقف اليوم حائرة تحاول إعادة تدوير صورتها عبر خطاب إعلامي متضخم، بينما الوقائع على الأرض تفرض رواية مختلفة تمامًا. القوة موجودة، نعم، لكن قدرتها على فرض نتائج حاسمة تتآكل مع كل جولة جديدة. فإيران لم تتحول إلى هدف سهل، بل إلى عقدة استراتيجية استعصت على التفكيك، وفرضت نفسها لاعبًا لا يمكن تجاهله أو تجاوزه. وأما في غزة، لم تُكتب النهاية كما أراد لها ترامب، وفي لبنان، أيضاً المعادلة أكثر حساسية، أي محاولة لفرض الإملاءات تصطدم بواقع معقد لا يقبل الكسر بسهولة. أما فلسطين عمومًا، فبقيت الدليل الأكثر إزعاجًا على أن الصراع لا يُغلق بالقوة وحدها.
اكتشاف المزيد من مآلات ميديا
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.




















