مآلات ميديا – مآلات سياسية :
في ذروة الحرب العدوانية التي شنّها الكيان الصهيوني وحلفاؤه على إيران، خرج مكتب بنيامين نتنياهو ببيان مفاجئ يفاخر فيه بأن رئيس حكومته تسلل سرًّا إلى أبوظبي، واجتمع برئيس دولة الإمارات محمد بن زايد، في ذروة القصف والصواريخ والتهديدات المتبادلة، كما لو أنه يعلن عن “وسام شرف” جديد على صدر مشروع التطبيع، لا عن صفقة سياسية ملغومة في توقيت شديد الحساسية. وفي المقابل، سارع البيان الإماراتي الرسمي إلى نفي كل ما يتردد عن هذه الزيارة، بل حاول أن يظهر بمظهر من لا يجد سببًا واحدًا يجعله يتستر على لقاء من هذا النوع، طالما أن العلاقات مع الكيان الصهيوني – كما يقول – “معلنة” في إطار الاتفاق الإبراهيمي، ولا تقوم – نظريًا – على السرية والترتيبات الخفية. بين رواية تتباهى بـ“الزيارة التاريخية” ورواية تنفي أصل الحدث، تقف المنطقة أمام مشهد فاضح: حليف يزايد على حليفه، ويستخدمه كورقة في بازار نفوذ أكبر من شخوص اللاعبين أنفسهم.

هذا الاشتباك العلني بين رواية مكتب نتنياهو والنفي الإماراتي لا يمكن قراءته كالتباس بروتوكولي ، بل كمعركة مكشوفة على من يمسك بمقود السردية ومن يدفع ثمنها السياسي والشعبي. مكتب نتنياهو قدّم الزيارة المزعومة بوصفها نقطة تحوّل “تاريخية” في العلاقات مع الإمارات، وتحدّث عن لقاء ودي مع بن زايد، وعن نتائج ستُذكر لأجيال قادمة، فيما أكدت أبوظبي أن علاقاتها مع الكيان الصهيوني ليست بحاجة إلى غرف مظلمة ولا أبواب خلفية. هكذا، يتحول الحليف إلى عبء؛ فمن جهة، يحاول الكيان الصهيوني أن يظهر كفاعل مطلق القدرة يخترق جغرافيا الخليج متى شاء وكيفما أراد، ومن جهة أخرى، تجد الإمارات نفسها مضطرة لامتصاص صدمة الرأي العام العربي والإسلامي الذي لن يمرّر بسهولة صورة استقبال زعيم حرب في لحظة تتساقط فيها الصواريخ على طهران.

الرسالة الأعمق هنا ليست في تفاصيل اللقاء بقدر ما هي في قرار الإعلان عنه بهذا الشكل المتحدّي، والتلويح – صراحة أو ضمناً – بإمكانية نشر صور ومقاطع توثق الزيارة والاجتماع لاحقًا. الكيان الصهيوني يستخدم هذه الورقة على أكثر من مستوى: أولًا، لتكريس سردية أن التطبيع الخليجي معه ليس خيارًا يمكن التراجع عنه تحت ضغط الشارع أو تغيّر المزاج الإقليمي، بل مسار متجذر وصل إلى مرحلة التنسيق في قلب الحرب. ثانيًا، لإرسال رسالة ردع إلى إيران ومحورها مفادها أن عمق الخليج العربي مفتوح أمام مخططات الكيان، وأن ما كان يُدار في السر يمكن أن يتحوّل إلى “استعراض” سياسي وإعلامي متى اقتضت الحاجة. وثالثًا، لإحراج أبوظبي نفسها، وتذكيرها بأن من يرتمي في أحضان الكيان الصهيوني عليه أن يتحمّل كلفة أن يُستخدم كخلفية في صورة ترويجية لا يملك التحكم في توقيتها ولا في زاوية تصويرها.

على الضفة الأخرى، يعكس النفي الإماراتي حرجًا مضاعفًا: حرج أمام الداخل العربي والإسلامي الذي يرى في استقبال نتنياهو أثناء الحرب على إيران استفزازًا مباشرًا لمشاعر شعوب المنطقة، وحرجًا أمام حلفاء إقليميين تحاول الإمارات طمأنتهم بأنها لا تذهب بعيدًا في رهاناتها على الكيان الصهيوني بما يهدد توازنات دقيقة في الخليج واليمن والبحر الأحمر. ولذلك، لم يكتفِ البيان الإماراتي بالنفي، بل شدد على أن العلاقة مع الكيان صريحة ومعلنة، في محاولة لتجريد الرواية الصهيونية من عنصر الإثارة: لا حاجة لسرية إذا كانت الأبواب مشرعة بالاتفاق الإبراهيمي. لكن هذا الدفاع يكشف، من حيث لا يقصد، عن مأزق أخلاقي وسياسي؛ لأن المشكلة ليست في السرية بحدّ ذاتها، بل في جوهر العلاقة مع كيان يواصل حربًا مدمّرة على غزة، ويقود عدوانًا مباشرًا على إيران، ويستثمر في كل ساحة توتر من لبنان إلى البحر الأحمر.

وإذا انتقلنا من المشهد الخليجي العام إلى اليمن، تتضح بصورة أعمق خلفية هذا الاشتباك الكلامي بين أبوظبي وتل أبيب، وتظهر اليمن كإحدى أهم ساحات الاستثمار الاستراتيجي في هذه العلاقة الملتبسة. فحرب البحر الأحمر، واستهداف السفن المرتبطة بالكيان الصهيوني، والاشتباك المفتوح بين صنعاء ومحور التطبيع، جعل من باب المندب وجزر الساحل اليمني هدفًا مركزيًا في معادلة الأمن الإقليمي. هنا، يصبح كل حديث عن زيارة نتنياهو لأبوظبي، أو عن وفود عسكرية صهيونية في الإمارات – سواء نُفي ذلك رسميًا أو جرى التلويح به صهيونيا– جزءًا من رقعة شطرنج أكبر، يتداخل فيها ما هو معلن بما هو تحت الطاولة، وما هو أمني بما هو سياسي واقتصادي.

الكيان الصهيوني، الذي يدرك أهمية الممرات البحرية وقواعد النفوذ على خطوط التجارة العالمية، لا ينظر إلى الإمارات بمعزل عن اليمن، بل كمنصة لوجستية وسياسية يمكن أن تفتح له طريق التأثير في البحر الأحمر وخليج عدن، سواء عبر صفقات تسليح، أو تبادل معلومات استخباراتية، أو تنسيق في إدارة الوجود العسكري غير المباشر في الجزر والموانئ الحساسة. من هنا، فإن ترويج رواية “الزيارة السرية” أثناء الحرب على إيران ليس مجرد استعراض علاقات عامة، بل رسالة إلى خصوم الكيان بأن تحالفاته تمتد حتى تخوم اليمن، وأنه قادر – عبر الحلفاء – على الإمساك بمفاصل حيوية في جغرافيا الصراع مع محور المقاومة.

كما أن اليمنيين، بمختلف أطيافهم، يقرؤون هذه التطورات بعين الخبرة المرّة في تتبع حركة التدخلات الخارجية خلال السنوات الماضية. فكلما تعمق التنسيق بين الإمارات والكيان الصهيوني – سواء أقرّت به أبوظبي أو حاولت إنكاره – انعكس ذلك على طبيعة التموضع العسكري والأمني في السواحل والجزر. ومع سلوك الكيان الصهيوني الذي لا يتورع عن فضح حلفائه إذا اقتضت مصلحته، يصبح أي انخراط إماراتي أعمق في مشروعه مخاطرة محتومة العواقب، ليس على صورة الإمارات فحسب، بل على استقرار المنطقة، وفي مقدمتها اليمن.

تجدر الاشارة الى ان جوهر المشكلة هي انه عندما يتحول التطبيع من علاقة معلنة إلى أداة ابتزاز علني، يصبح الحليف العربي مجرد ورقة في يد طرف لا يقدّر إلا ميزان القوة المجردة. والكيان الصهيوني، بتاريخه الطويل في استخدام التسريبات والوثائق والصور لضرب شركائه عند اللزوم، يبعث برسالة واضحة: من يراهن عليه في الخليج أو اليمن أو أي ساحة أخرى، عليه أن يتوقع أن يجد نفسه في لحظة ما على طاولة التشريح الإعلامي، تمامًا كما يحدث اليوم مع قصة الزيارة السرية والنفي الإماراتي.

في نهاية المطاف، قد ينشر مكتب نتنياهو صورًا ومقاطع للقاء مع بن زايد، وقد تواصل الإمارات نفيها، وقد يلتف الجهاز الدعائي الصهيوني على أي حرج إماراتي ببعض العبارات الدبلوماسية الناعمة. لكن ما لا يمكن إخفاؤه هو حقيقة أن اليمن، ببحاره وسواحله وجغرافيته المشتعلة، حاضر بقوة في خلفية هذه القصة، وأن كل “زيارة سرية” في أبوظبي تعني – في الحسابات الاستراتيجية – خطوة جديدة في معركة النفوذ على باب المندب والبحر الأحمر، حيث تُكتب خرائط الغد على حساب دماء اليمنيين ومعاناتهم.


اكتشاف المزيد من مآلات ميديا

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.