مآلات ميديا – منوعات:
في واحدة من أكثر القصص الأكاديمية غرابة في فرنسا، يواجه أستاذ الأدب فلوران مونتاكلير تحقيقاً قضائياً بعد الاشتباه في أنه صنع لنفسه جائزة دولية من العدم، ثم حوّلها عبر المواقع الإلكترونية والاحتفالات الرسمية إلى ما يشبه “نوبل” في علم الفيلولوجيا، وهو علم دراسة اللغة والنصوص في سياقها التاريخي. تبدأ الحكاية، وفق التحقيقات المنشورة، من نهاية عام 2015 حين ظهرت مواقع لكيانات تحمل أسماء براقة مثل “الجمعية الدولية للفيلولوجيا” و“جامعة الفيلولوجيا والتربية” في لويس بولاية ديلاوير، قبل أن يتبين أن الجامعة لا وجود معترفاً به لها وأن الجمعية لا تقوم إلا على حضور رقمي هزيل.

غير أن الخدعة، إن صح توصيف الادعاءات القضائية لها، لم تُبنَ على موقع إلكتروني وحده، بل على مسرح كامل من الرموز؛ فقد قالت مصادر التحقيق إن مونتاكلير طلب ميدالية من صائغ في باريس مقابل 250 يورو، قبل أن تُسلَّم له في يونيو 2016 داخل الجمعية الوطنية الفرنسية في حفل حضره سياسيون وعلماء وأسماء ذات وزن رمزي. وبمجرد أن دخلت الميدالية فضاء المؤسسة الرسمية، لم تعد قطعة معدنية رخيصة في علبة أنيقة، بل تحولت في المخيال العام إلى “وسام دولي” يصلح للسير الذاتية والصور الصحفية والمجاملات الأكاديمية.

هنا تكمن براعة القصة وخطورتها معاً؛ فالمزاعم لم تكن تقول إن مونتاكلير اخترع خبراً عابراً، بل إنه أنشأ بنية اعتراف كاملة: جامعة أمريكية مشكوكاً في وجودها، جمعية دولية مزعومة، قائمة فائزين تعود إلى عقود، وأسماء مثل أمبرتو إيكو ونعوم تشومسكي تُستخدم لتغليف الوهم بوهج العبقرية العالمية. وفي عام 2016، مُنح تشومسكي ميدالية شرفية مرتبطة بالجمعية نفسها خلال فعالية في باريس، بينما قال لاحقاً للصحفيين الرومانيين إنه لا يتذكر تسلم “ميدالية ذهبية للفيلولوجيا” وإنه يحضر محاضرات كثيرة تنظمها جهات متعددة.

لكن الخيط الذي بدأ في فرنسا لم ينكشف أولاً في فرنسا، بل في رومانيا، عندما أعلن مونتاكلير فوز الأكاديمي الروماني أوجين سيميون بالميدالية، فتحرك صحفيو منصة Scena9 وفتشوا خلف الأسماء والعناوين والشعارات، ليعثروا على شبكة من مواقع ركيكة ومعلومات منسوخة وأعضاء ينفون علاقتهم بالجمعية المزعومة. وقد دفع ذلك الأكاديمية الرومانية إلى فتح تحقيق داخلي وإلغاء مسار الاحتفال بسيميون، بينما لم تتحول القصة في فرنسا وقتها إلى عاصفة مؤسسية واسعة، فواصل مونتاكلير عمله الأكاديمي لسنوات.

ثم عادت المفارقة لتفتح الباب من جديد حين كان مونتاكلير مرشحاً للمشاركة في ندوة عن الأخبار الزائفة والتضليل، فتذكرت زميلة له التحقيق الروماني، وأُبلغت الجامعة، ثم تحركت النيابة في مونبيليار وبدأت القضية تخرج من خانة الطرافة إلى خانة الاشتباه الجنائي. وفي فبراير 2026، فتش المدعي بول إدوار لالوا منزل مونتاكلير برفقة الشرطة، ونقل عنه قوله عند وصولهم: “أفترض أن الأمر يتعلق بالميدالية”، قبل أن تُفتح إجراءات أولية تشمل شبهات التزوير واستعمال المزور وانتحال صفة أو شهادة والاحتيال.

دفاع مونتاكلير يقوم على نقطة دقيقة تكشف الجانب الرمادي في القضية؛ فهو لا ينفي بالضرورة أنه طلب الميدالية أو أدار مواقع مرتبطة بها، لكنه يقول إن الأمر لم يكن احتيالاً بل محاولة فاشلة لإنشاء تمييز أكاديمي جديد، وإن “الميدالية المزيفة” لا تكون مزيفة إذا لم تكن هناك ميدالية أصلية تقاس عليها. أما محاميه جان باتيست أوفرار فذهب في الاتجاه نفسه، معتبراً أن اختراع جائزة دولية والهيئة التي تمنحها ليس في ذاته فعلاً جنائياً، وأن المسألة تصبح قانونية بقدر ما يثبت أن هذا البناء الرمزي استُخدم لتحقيق مكاسب مهنية أو مالية.

ولهذا فإن جوهر الملف لا يتوقف عند سؤال: هل اخترع الأستاذ ميدالية؟ بل ينتقل إلى سؤال أعمق: هل استُخدمت هذه الميدالية، ومعها شهادة مزعومة من جامعة أمريكية غير مثبتة، لتضخيم مكانته المهنية والحصول على ترقية أو زيادة أو نفوذ داخل الوسط الجامعي؟ ومن هنا جاءت العقوبة الإدارية الثقيلة؛ إذ أفاد Le Figaro نقلاً عن الجامعة ووكالة الصحافة الفرنسية بأن العقوبة التأديبية أصبحت نهائية منذ 7 أبريل، وبات مونتاكلير ممنوعاً من ممارسة مهام التعليم أو البحث في مؤسسة عامة للتعليم العالي، ولم يعد يشغل أي وظيفة داخل جامعة ماري ولويس باستور في بيزانسون.

استراتيجياً، تكشف القضية عن هشاشة غير مريحة في منظومة الاعتراف الأكاديمي؛ فالعلم الذي يُفترض أن يقوم على التحقق الصارم يمكن أن تخترقه أحياناً طقوس الهيبة نفسها: قاعة رسمية، اسم لاتيني أو إنجليزي، موقع إلكتروني، قائمة فائزين، صورة مع عالم كبير، ثم تتحول العناصر المتفرقة إلى حقيقة اجتماعية بحكم التكرار لا بحكم الإثبات. كما تكشف أن “رأس المال الرمزي” في الأكاديمية قد يكون أحياناً أكثر تأثيراً من الإنتاج العلمي نفسه، لأن الجائزة حين تُقبل اجتماعياً تصبح أداة تصديق ذاتي تفتح الأبواب وتُسكت الأسئلة وتمنح صاحبها حصانة غير معلنة.

أما دلالة وقوع اسم تشومسكي في محيط القصة، فهي لا تعني بالضرورة تورطه أو علمه بطبيعة الكيان، بل تكشف كيف يمكن لصانع الوهم أن يستعير شرعية شخصية عالمية عبر لحظة بروتوكولية عابرة ثم يعيد تدويرها كدليل على صدقية المؤسسة كلها . وبذلك لم يكن تشومسكي “ضحية” بمعنى الضرر المباشر بقدر ما أصبح جزءاً من هندسة الإيهام، حيث يكفي أن يظهر الاسم الكبير في الصورة حتى يظن الآخرون أن القصة كلها مرّت عبر بوابة التحقق.

وعلى المدى الأبعد، قد تدفع هذه الفضيحة الجامعات الفرنسية والأوروبية إلى مراجعة آليات التحقق من الجوائز والسير الذاتية والشهادات الأجنبية، خصوصاً في الحقول التي تقل فيها شهرة الجوائز ويصعب على الإداريين تمييز الحقيقي من المصنوع . وإذا انتهى التحقيق إلى اتهامات أو محاكمة، فستتحول القضية من حكاية احتيال رمزي إلى اختبار قانوني لسؤال جديد في عصر المواقع الوهمية: متى يصبح اختراع المجد الشخصي خيالاً مباحاً، ومتى يتحول إلى احتيال مؤسسي يعاقب عليه القانون؟

هكذا تبدو الميدالية الصغيرة، التي بدأت كقطعة معدنية لا تتجاوز قيمتها 250 يورو، أكبر من صاحبها ومن الحفل الذي رفعها إلى مستوى الأسطورة؛ فهي مرآة لزمن تستطيع فيه الواجهة الرقمية أن تسبق الحقيقة، وتستطيع فيه الرغبة في الاعتراف أن تجر مؤسسة كاملة إلى تصديق ما كان ينبغي أن يُسأل عنه منذ اللحظة الأولى. وبينما ينتظر الملف القضائي كلمته الأخيرة، تبقى القصة درساً قاسياً للأوساط الأكاديمية والإعلامية معاً: ليست كل ميدالية تلمع ذهباً، وليست كل منصة تحمل لغة العلم قادرة على حمل الحقيقة.


اكتشاف المزيد من مآلات ميديا

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.