م. فؤاد أبوراس – مآلات ميديا :
في كل بلد يعيش ظروف حرب وضغط ومعاناة، تظهر بين وقت وآخر قضايا صغيرة أو كبيرة. قد تكون شكوى من خدمة، أو خطأ من مسؤول، أو حادثة في مؤسسة، أو منشور على مواقع التواصل. هذا أمر طبيعي في أي مجتمع حي. الناس من حقها أن تشتكي، ومن حقها أن تطالب، ومن حقها أن تقول إن هناك خللًا يحتاج إلى إصلاح. لكن المشكلة لا تبدأ من الشكوى نفسها، ولا من صوت الناس، وإنما تبدأ عندما تدخل أطراف من خارج البلد على الخط، فتأخذ القضية من حجمها الطبيعي، وتنفخ فيها، وتحوّلها إلى معركة كبيرة هدفها إثارة الغضب وضرب الثقة بين الناس. القضية في بدايتها قد تكون بسيطة وواضحة، ويمكن حلها بهدوء لو بقيت في مسارها الطبيعي. لكن حين يتلقفها مغترب حاقد، أو ناشط يعمل لأجندة، أو منصة تبحث عن الإثارة، أو طرف سياسي يريد استغلالها، فإنها تتحول من قضية مطلبية إلى أداة هدم. وهنا لا يعود الهدف هو إنصاف صاحب الحق، ولا معالجة المشكلة، بل يصبح الهدف هو إشعال الناس، وتوسيع الشك، وتصوير البلد وكأنه ينهار من الداخل. وهذه هي اللعبة التي يجب أن يفهمها المواطن العادي قبل غيره. ليس كل من يتكلم باسم الإنسانية يريد الخير للناس، وليس كل من يرفع شعار الحقوق يبحث فعلًا عن الحق. أحيانًا تُستخدم العبارات الجميلة لتغطية نوايا قبيحة. يضعون للقضية مكياجًا إنسانيًا، ويغلفونها بكلام عاطفي، ويقدمونها وكأنها دفاع عن المظلومين، بينما الهدف الحقيقي هو خلق حالة غضب مستمرة، ودفع الناس إلى فقدان الثقة بكل شيء حولهم. الخطر هنا أن هذه الطريقة لا تحتاج إلى كذبة كاملة. في كثير من الأحيان يبدأون من واقعة حقيقية، أو خطأ موجود، أو تقصير فعلي، ثم يضيفون عليه كلامًا كثيرًا، ويكبرونه، ويربطونه بكل شيء، حتى يبدو وكأنه دليل على فشل كامل. بدل أن يقولوا هناك مشكلة ويجب حلها، يقولون إن كل شيء فاسد، وكل شيء منهار، ولا يوجد أمل. وهكذا تتحول القضية من باب للإصلاح إلى باب للإحباط. والأخطر من ذلك أن بعض الناس، بحسن نية، يساعدون على نشر هذه الحملات. قد يغضب المواطن من موضوع معين، فيعيد نشره دون أن يتأكد. وقد يرد آخر بانفعال شديد، فيزيد الموضوع انتشارًا. وقد يدخل الناس في جدال طويل، فيتحول المنشور الصغير إلى قضية رأي عام. وهنا يكون الخصم قد حقق ما يريد، لأنه لا يحتاج دائمًا إلى أن يقنع الناس بكل كلامه، يكفيه أن يشغلهم، ويقسمهم، ويزرع بينهم الشك. هذا لا يعني أن نسكت عن الأخطاء، ولا يعني أن نمنع الناس من الكلام. بالعكس، السكوت عن الخطأ يضر البلد، والتستر على التقصير يفتح الباب لمشاكل أكبر. لكن الفرق كبير بين النقد الذي يريد الإصلاح، والكلام الذي يريد التخريب. النقد الصادق يقول: هذه مشكلة، وهذا سببها، وهذا هو الحل. أما التخريب فيقول: لا فائدة، لا أحد يصلح، كل شيء سيئ، وكل الناس متآمرون. النقد يبني، حتى لو كان قاسيًا. أما التحريض فيكسر، حتى لو لبس ثوب الوطنية. ولهذا، فإن أول واجب على الجهات المسؤولة هو ألا تترك فراغًا للمزايدين. عندما تحدث مشكلة، يجب أن يكون هناك توضيح سريع ومحترم. وعندما توجد شكوى، يجب سماعها. وعندما يقع خطأ، يجب الاعتراف به ومعالجته. لأن التأخير والصمت والردود المتشنجة تعطي فرصة كبيرة لمن يريد الاصطياد في الماء العكر. الناس لا تريد خطابات طويلة، تريد وضوحًا، وإنصافًا، وإجراءً يطمئنها أن صوتها وصل. وفي المقابل، على المواطن أن يكون أكثر وعيًا قبل أن يشارك أي موضوع. يسأل نفسه: من نشر هذا الكلام؟ لماذا الآن؟ هل الهدف حل المشكلة أم زيادة الغضب؟ هل هناك معلومات كاملة أم مجرد عناوين مثيرة؟ هل سأساعد بنشري على الإصلاح أم سأكون جزءًا من حملة لا أعرف من يقف خلفها؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تحمي المجتمع من كثير من الفتن. المعركة اليوم لم تعد فقط في الجبهات. هناك معركة أخرى تُدار عبر الهاتف، والمنشور، والتعليق، والمقطع القصير. معركة هدفها ضرب الثقة، وإرهاق الناس نفسيًا، وتحويل كل خلاف إلى شرخ، وكل خطأ إلى فضيحة، وكل شكوى إلى مادة ضد البلد. وهذه المعركة أخطر أحيانًا من المعارك المباشرة، لأنها تدخل إلى البيوت والعقول من غير ضجيج. الصمود الحقيقي لا يعني أن نقول إن كل شيء بخير، ولا يعني أن نغطي على الأخطاء. الصمود الحقيقي هو أن نصلح الخطأ دون أن نسلم قضايانا لمن يريد استخدامها ضدنا. أن ننصف المظلوم دون أن نفتح الباب للمتربص. أن ننتقد المسؤول المقصر دون أن نهدم ثقة الناس ببعضهم. أن نحمي حق المواطن وفي الوقت نفسه نحمي المجتمع من الحملات التي تُدار من الخارج. في النهاية، كل قضية يمكن أن تكون فرصة للإصلاح إذا تعاملنا معها بعقل وهدوء ومسؤولية. لكنها قد تتحول إلى خنجر في خاصرة البلد إذا تركناها لمن يحسنون النفخ في النار. لذلك، المطلوب ليس الصمت، بل الوعي. ليس التهوين من مشاكل الناس، بل منع المتاجرة بها. وليس الدفاع عن الأخطاء، بل الدفاع عن حق المجتمع في أن يعالج أخطاءه بنفسه، بعيدًا عن أيدي من لا يريدون له إلا المزيد من الانقسام والتعب.
اكتشاف المزيد من مآلات ميديا
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.




















