مآلات ميديا – مآلات محلية :

شهدت محافظات يمنية عدة، عقب صلاة الجمعة، موجة واسعة من الوقفات الجماهيرية تحت شعار “رصدنا مستمر وأيدينا على الزناد والتعبئة مستمرة”، في مشهد بدا أقرب إلى إعلان شعبي متجدد منه إلى فعالية تضامنية عابرة، إذ تداخل فيه نصرة غزة وفلسطين مع تأكيد الجهوزية العسكرية والمعنوية، والتشبث بمبدأ “وحدة الساحات” الممتدة من فلسطين إلى لبنان وإيران.

وامتدت الوقفات إلى تعز وريمة وإب وحجة والمحويت والحديدة وصعدة، فيما أظهرت تغطية منشورة في اليوم نفسه تنظيم فعاليات مماثلة في صنعاء والحديدة والجوف تحت الشعار ذاته، مع رسائل تركز على التعبئة العامة، ومساندة غزة، ودعم حزب الله، والوقوف إلى جانب إيران أمام التهديدات الأمريكية والإسرائيلية. وفي ريمة وحدها تحدثت البيانات عن 465 وقفة في مختلف جوامع المديريات، بينما شهدت صعدة مئات الوقفات، بما يعكس أن الحدث لم يكن مركزياً في مدينة واحدة، بل تحركاً متزامناً واسع النطاق يؤكد استمرار حضور القضية الفلسطينية في الوجدان اليمني.

غير أن دلالة الحدث لا تقف عند حجم الحشود أو عدد المديريات المشاركة، بل تتجاوز ذلك إلى اللغة التي حملتها البيانات والهتافات؛ فعبارة “رصدنا مستمر” تؤكد حالة متابعة دائمة لما يجري في غزة ولبنان وسوريا، بينما تأتي عبارة “أيدينا على الزناد” لتؤكد أن التضامن المطروح لا يراد له أن يبقى في مستوى الشعارات، بل أن يتحول إلى استعداد معلن لأي تصعيد تقرره القيادة في صنعاء. وبذلك، فأن الوقفات تربط الشارع بالميدان، وتعيد إنتاج المشهد الأسبوعي بوصفه أداة سياسية وإعلامية لتثبيت الموقف، ووسيلة نفسية لإبقاء المجتمع في حالة يقظة واستنفار.

وقد استندت البيانات إلى تطورات غزة باعتبارها المحور المركزي للحدث، محذرة من استمرار حرب الإبادة والحصار، ومشيرة إلى ارتفاع حصيلة العدوان الإسرائيلي إلى 72,628 شهيداً و172,520 جريحاً، وهي أرقام توافقت مع ما نقلته تقارير دولية عن وزارة الصحة في غزة بشأن الحصيلة الإجمالية منذ السابع من أكتوبر 2023. كما ورد أن عدد الشهداء منذ دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ بلغ 846 شهيداً، مقابل 2,418 جريحاً، مع انتشال 769 جثماناً من تحت الركام، وهي معطيات نشرتها أيضاً تقارير إخبارية استناداً إلى الجهات الصحية في القطاع.

ومن هذه الزاوية، فأن تلك الوقفات تمثل رداً شعبياً على مشهد إقليمي متحرك: غزة تحت القصف والحصار، لبنان في دائرة المواجهة، سوريا عرضة للتوغلات والانتهاكات، وإيران في قلب التهديدات الأمريكية و الصهيونية. لذلك كان حضور حزب الله في بيانات الوقفات ركناً من أركان الرسالة الشعبية ؛ إذ بارك المشاركون عملياته ضد القوات الصهيونية، وأكدوا أن اليمن لم يعد يتعامل مع فلسطين كقضية منفصلة، بل كجزء من معادلة إقليمية مفتوحة عنوانها وحدة الجبهات وتبادل الإسناد.

وفي السياق ذاته، حضر المسجد الأقصى في البيان كرمزاً دينياً وسياسياً لا يغيب عن التعبئة، خصوصاً مع تصاعد الاقتحامات والتصريحات الاستفزازية من رموز اليمين الصهيوني. وقد جاء استنكار المشاركين لتصرفات إيتمار بن غفير متصلاً بتقارير تحدثت عن اقتحامه أحد الأحياء الفلسطينية داخل أراضي 1948 وتصريحه للأهالي بأنه “صاحب الأرض وليس أنتم”، في واقعة عكست طبيعة المشروع الصهيوني.

أما داخلياً، فقد حملت الوقفات بعداً سيادياً واضحاً، خصوصاً في إدانة البيانات لتفويض حكومة لا تمثل الشعب اليمني للنظام السعودي للتصرف في مقدرات اليمن وثرواته السيادية. وهذه النقطة تؤكد أن الفعاليات ليست موجهة للخارج فقط، بل للتأكيد ان الشعب اليمني ليس غافلا عن مسألة ان الصراع مع الكيان الصهيوني والولايات المتحدة هو امتداداً لصراع السيادة اليمنية، وان كل من يدور في فلك الكيان الصهيوني و الامريكي سواء من المحليين اوالإقليميين هم في خانة واحدة مع المشروع المعادي للأمة.

ولم تغب الجبهة الاجتماعية عن المشهد، إذ دعت البيانات إلى مواجهة “الحرب الناعمة” عبر تيسير المهور وتخفيف تكاليف الزواج ووضع ضوابط مجتمعية ورسمية لهذه المسألة. وهذا التفصيل، رغم أنه يبدو بعيداً عن غزة ولبنان، لكنه يكشف مستوة يقضة الشارع اليمني ان تلك المسألةهي جزء من معركة شاملة لا تقتصر على السلاح والسياسة، بل تشمل الثقافة والأسرة والاقتصاد الاجتماعي، حيث يصبح ضبط العادات الاستهلاكية وتقوية النسيج الداخلي جزءاً من مفهوم الصمود.

وتشير هذه الوقفات، في مآلاتها المحتملة، إلى أن الشارع اليمني سيبقى جزءاً من مشهد التعبئة الإقليمية ما دام التصعيد في غزة ولبنان وسوريا مستمراً. كما أنها تبعث برسالة مزدوجة: للخارج بأن اليمن حاضر في معادلة الإسناد ولن يغادر موقعه الرمزي والسياسي، وللداخل بأن الجبهة الشعبية ما تزال قابلة للتحشيد الأسبوعي تحت عنوان جامع يجمع الدين والسيادة والمقاومة والقضية الفلسطينية. وبين الرصد والزناد والتعبئة، لتؤكد تلك الوقفات إن ما يجري في غزة لم يعد خبراً بعيداً، بل صار معياراً لإعادة تعريف الموقف والهوية والاصطفاف في لحظة إقليمية مفتوحة على احتمالات أكثر سخونة.


اكتشاف المزيد من مآلات ميديا

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.