مآلات ميديا – تحقيقات :
في إحدى ليالي العاصمة الجديدة، تألّقت الأضواء على خشبة حفل باذخ أُقيم بمناسبة تدشين مشروع فلل فارهة يحمل الاسم التسويقي «ليال أنت قمري»، لتأتي النجمة اللبنانية هيفاء وهبي ضيفة ونجمة تلك المناسبة التي قدّمتها شركة «نيو إيفنت» للتطوير العقاري بوصفها احتفالاً بافتتاح أحد أحدث مشروعاتها السكنية الفخمة. لم يكن المشهد، في ظاهره، يتجاوز إطار فعالية ترويجية معتادة تجمع بين العقار والفن، غير أن ما دار في الكواليس من معلومات حول خلفيات القائمين على الشركة ومسارات تمويلها أضفى على الحكاية أبعاداً سياسية ومالية وأخلاقية أعمق بكثير من مجرد سهرة فنية صاخبة.
تقدَّم «نيو إيفنت» نفسها في الأسواق الإقليمية باعتبارها شركة تطوير عقاري يتجاوز رأسمالها حاجز المليار ومئتي مليون دولار، مستثمرة في مشاريع ضخمة في مصر والسعودية، ومركِّزة على مشروعات سكنية في العاصمة الإدارية الجديدة بواجهات تسويقية أنيقة ولغة تحتفي بالرفاه والحداثة. غير أن مصادر يمنية مطّلعة تتداول رواية مختلفة تماماً، ترى في هذه الشركة واجهة استثمارية مفضّلة لدوائر نفوذ راكمت ثرواتها خلال سنوات الحرب، وتبحث اليوم عن قنوات آمنة لتدوير تلك الأموال عبر العقار وحفلات النجوم، بحيث يُعاد إنتاج رأس المال الحربي في صورة استثمارات شرعية تبدو على السطح بعيدة عن رائحة البارود.
وفقاً لهذه الرواية، يقف خلف «نيو إيفنت» عدد من الفاعلين البارزين في شبكات نفوذ يمنية متشابكة، من بينهم شخصيات عملت في ملفات طلابية وخيرية ومعلوماتية خلال سنوات الصراع، ما منحها قدرة واسعة على إدارة تدفقات مالية حساسة تحت عناوين إنسانية أو تنظيمية. وتصف المصادر ذاتها أحد هؤلاء بأنه مسؤول طلابي سابق ومشرف على لجنة الجرحى والعمل الخيري، إضافة إلى دوره في جهاز للمعلومات، في حين يُشار إلى آخر بصفته مسؤولاً عن الاستثمارات ونائباً في جهاز معلوماتي، في تداخل واضح بين المال والمعلومات والنفوذ. هذا التزاوج بين الأدوار الطلابية والإغاثية والاستخبارية من جهة، وبين إدارة شركة عقارية عابرة للحدود من جهة أخرى، يشي بهندسة مالية وسياسية ترى في العقار أكثر من مجرد استثمار، بل أداة لإعادة تموضع قوى الحرب في المشهد الاقتصادي الإقليمي.
صورة الإدارة العليا للشركة تضيف طبقة أخرى من التعقيد؛ فالرئيس الحالي لمجلس إدارة «نيو إيفنت» يُقدَّم في بعض المصادر اليمنية بوصفه شخصية ذات خلفية دعوية وتعليمية، إذ عمل حتى عام 2014 مدرساً في دار للقرآن الكريم في منطقة بيت مران بأرحب، قبل أن ينتقل لاحقاً إلى موقع قيادي في قطاع التطوير العقاري. المدير التنفيذي للشركة أيضاً يُذكر أنه عمل مدرساً في دار القرآن ذاته، ما يشي بأن نواة الإدارة وُلدت في فضاء تعليمي ديني مغلق، ثم نُقلت لاحقاً إلى عالم المال والعقار. هذا الانتقال الحاد من حلقات التحفيظ إلى مجالس الإدارة لا يظهر هنا كقصة نجاح فردية عفوية، بل كمؤشر على توظيف منظّم لكوادر تربت في بيئة أيديولوجية محددة، ثم أُعيد توزيعها على مواقع المال والاستثمار عندما نضجت الظروف.
يتعزّز هذا الانطباع عند تتبّع الخيوط العائلية والمالية التي تحيط بالشركة؛ إذ يَرِد في المعلومات المتداولة أن أحد أقارب المدير التنفيذي يتولى مسؤوليات مالية لدى شخصية ذات ثقل ديني واجتماعي، بينما تشير شهادات أخرى إلى أن أغلب فريق عمل «نيو إيفنت» سبق لهم العمل ضمن لجنة تُعنى بملف الجرحى في مصر. هذه اللجنة، التي يفترض أن تكون منصرفة لرعاية ضحايا الحرب ومتابعة أوضاعهم، تُوصف من قبل منتقدين بأنها تحوّلت إلى واحد من أهم المسارات غير المرئية لتدوير الأموال، حيث تمر عبرها تحويلات مالية كبيرة تحت غطاء إنساني يصعب مساءلته، قبل أن تجد طريقها إلى مشاريع استثمارية كبرى في أسواق العقار.
في هذا السياق، يأتي مشروع «ليال أنت قمري» بوصفه حلقة جديدة في سلسلة مشاريع سكنية فاخرة تقدّم نفسها كعنوان للهدوء والرقي والحياة الراقية في العاصمة الإدارية، بمساحات فلل واسعة وتصاميم أنيقة وعروض سداد ميسّرة تمتد لسنوات، مع الاعتماد على لغة تسويقية عاطفية تربط السكن بالحب والسكينة والليالي القمرية. اختيار هيفاء وهبي لتكون نجمة حفل التدشين يبدو جزءاً من استراتيجية متقنة لصناعة الصورة: نجمة عربية ذات حضور جماهيري واسع وسمعة مرتبطة بالجرأة والترف، تقف على منصة مشروع عقاري فخم، فيلقط الإعلام المشهد بوصفه دليلاً على نجاح الشركة ووجاهة مشاريعها، فيما يتموضع المال الحقيقي في الخلفية بعيداً عن الكاميرات.
غير أن هذه الأضواء الكاشفة لا تستطيع إخفاء التناقض الأخلاقي الحاد الذي يطرحه النقاد؛ ففي الوقت الذي تُنفق فيه مبالغ طائلة على حفلات الغناء والتمثيل والديكور والترويج لفلل فاخرة، تستمر في الداخل اليمني قصص موازية عن أسر فقدت مُعيلها في جبهات القتال وتعيش على حافة الفقر، وسط حديث عن حوادث اعتداء على ممتلكات أسر الشهداء، ومنها روايات عن هدم مساكن بسيطة لزوجات مقاتلين قضوا في خطوط المواجهة. هكذا يصبح المشهد أكثر قسوة: مالٌ يُقال إنه خرج من بيئة حرب منهكة، يعبر الحدود ليُستثمر في رخام الفلل وأضواء المسارح، بينما تبقى بيوت البسطاء داخل اليمن مهدّدة بالإخلاء والهدم والعجز عن دفع الإيجار.
من زاوية التحليل، يقدّم هذا الملف نموذجاً دالاً على كيفية تحوّل شبكات الحرب إلى شبكات اقتصاد في البيئات الهشّة؛ إذ يُستخدم العقار كأداة مفضلة لتبييض الأموال، لكونه مجالاً واسعاً يتقبّل رؤوس أموال كبيرة ويمنح غطاءً قانونياً واضحاً، فضلاً عن صعوبة تتبُّع مسارات التمويل داخله بعد اندماجها في قيمة الأرض والبناء والعقود. الدور الممنهج الذي تلعبه الشخصيات ذات الخلفيات الدينية والتعليمية، ثم انتقالها إلى مواقع القيادة الاقتصادية، يكشف عن براغماتية عالية لدى هذه الشبكات، تسعى من خلالها إلى التحكم في الموارد والرموز معاً: من المنبر إلى المنصة، ومن المصحف إلى المخطط الهندسي.
في النهاية، لا تبدو حفلة «ليال أنت قمري» مجرد احتفالية عابرة في سجل شركة عقارية ناشئة، بل نافذة صغيرة على مشهد أكبر، يعكس كيف يمكن أن تتقمّص أموال الحرب ثياب النجاح الاستثماري، وأن تُعاد صياغة حكاية الدم والدموع في قالب من الموسيقى والضوء والضحكات العالية. بين دار القرآن الكريم في بيت مران ومنصة هيفاء وهبي في العاصمة الجديدة، مسافة سياسية وأخلاقية ومالية تستحق أن تُقرأ بعينٍ أعمق من عين المتفرّج؛ فهناك، في الخلفية البعيدة، تتقاطع قصص الجرحى والمهجّرين والأرامل مع قصص رجال أعمال جدد يصعدون على أكتاف حرب طويلة، ويحتفلون تحت قمر «ليال أنت قمري» بينما يبقى ليل الداخل اليمني مثقلاً بالظلام.
اكتشاف المزيد من مآلات ميديا
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.




















