مآلات ميديا – متابعات :
في ظل ما تمرّ به العلاقة بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل من اختبارات نهائية على أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم، لم يعد مضيق هرمز مجرّد مسار لعبور النفط، بل أصبح مسرحاً لإعادة تعريف قواعد القوة في الخليج والشرق الأوسط بأكمله. وسائل الإعلام الإسرائيلية، وفي مقدمتها صحيفة “معاريف”، تشير إلى أن إيران تواصل اليوم، بعد أشهر من التصعيد والضربات الجوية والبحرية، ترميم قدراتها العسكرية والسياسية وفرض أجندتها الخاصة على مسار الملاحة في هرمز، في تحوّل مثير يعكس ليس مجرد تراجع عربي أو غربي، بل إعادة ترتيب استراتيجي للنفوذ في المنطقة. وفق ما يُنقل، فإن إيران تُقدَّر فعلياً “الفائزة الوحيدة” في هذه المواجهة حتى الآن، بينما تظهر واشنطن وتل أبيب في صورة الجانبين الخاسرين، وإنْ بدرجات مختلفة، في حرب لم تُسجّل رسمياً بعدُ في السجلات الدبلوماسية ولكنها اكتسبت صفة الحرب الواقعية على أرض وسماء البحر. من الناحية العسكرية والسياسية، لا يعبّر تصريح “معاريف” عن مجرد تحليل إعلامي، بل يعكس تقريراً استخبارياً ودفاعياً مفاده أن إيران نجحت في تحويل هرمز من نقطة خطر على اقتصادها إلى أداة ردع استراتيجية تُستخدم كرافعة في المفاوضات. فبينما تُكرّر طهران أن الضربات الجوية الأمريكية والإسرائيلية ألحقت بها أضراراً، فإن تقارير من داخل إيران وخارجها تشير إلى أن تلك الضربات لم تدمر البنية النووية أو العسكرية الحساسة بالشكل الذي يُخلّ باستقلالية القرار العسكري لطهران، بل أفضت في المقابل إلى تكثيف قدرات الدفاع الجوي والصاروخي والمسيرات، وإحكام السيطرة على مسار المضيق عبر زوارق سريعة، وطائرات مسيرة، وألغام بحرية، ومنظومات مراقبة رادارية. هذا التحوّل يمنح إيران ما يشبه “أوراق رفض” في المفاوضات: فهي لا تهدد بكسر المضيق، بل تُعدّ إغلاقه أو تضييقه انتقائياً أداة ضغط معلنة، لا مجرد تلويح مخيف. أما عن مقولة إن “إيران انتصرت حتى الآن”، فهي تتقاطع مع تصريحات المرشد الإيراني مجتبى خامنئي نفسه، الذي أكد أن “الحرب تحولت إلى انتصار كبير” وأن “الدولة تحولت إلى قوة عظمى”، في رسائل تجمع بين التفاخر الداخلي والتحوّل الإداري للعلاقات الدولية الخارجية. هذه الرسائل تشير إلى أن إيران تستخدم هرمز كمدخل لإعادة ترتيب ثلاث قضايا مركزية: النووي، والصاروخي، ونظام الدعم للجماعات العسكرية في المنطقة. فالقدرة على إغلاق ممر نقل 20٪ من النفط العالمي، أو اشتراط عبوره بشروط مالية وأمنية صارمة، كما تلمّح وسائل إعلام غربية عن منح عشر سفن فقط يومياً بشروط، أو تقاضي رسوماً مرتفعة، تُعادل، في المنطق الإيراني، تعويض جزئي عن العقوبات الاقتصادية والخسائر البشرية التي تتكبدها. من هنا، لا يُنظر إلى هرمز في طهران كممر “طواف” بريء، بل كقوس مرجّح حقيقي في أي ميزان تفاوضي قادم. على مستوى المآلات، فإن تثبيت قدم إيران في هرمز لا يعني بالضرورة أن الهدنة أو “الabbo” الحالية ستُستبدَل بحرب باردة كاملة، بل يُرجّح أننا أمام مشهد جديد من نوع “الحرب المنظمة عبر الممرات والمفاوضات”. إيران تسعى إلى أن تُسجّل هرمز كمكسب استراتيجي دائم، لا كورقة تُستخدم ليوم ثم يُرمى بها، وهذا يفرض على واشنطن وتل أبيب إعادة حساباتها بشكل جذري: فإما قبول شراكة ملتبسة في إدارة هذا الممر، أو الاستمرار في تجريب قرارات مكلفة، سواء بالضربات العسكرية أو بالحصار المضروب على السفن الإيرانية، وهو أمر يفاقم التوتر دون ضمانات بتحقيق نتائج ملموسة. الخبير العسكري يرى أن ما يجري لا يُختزل في كسب أو خسارة حربية تقليدية، بل في تحوّل هرمز إلى “(currency)” جيوسياسية، حيث تُقدّر طهران قوة أمريكا وإسرائيل بناءً على مدى قدرتهما على فرض ممرات مفتوحة، وتُقاس قوة إيران بناءً على قدرتها على إغلاقها أو تضييقها. في النهاية، فإن ما تنقله “معاريف” اليوم ليس مجرد تحليل الإسرائيلي، بل علامة على تغيّر في موازين القوة تُقرأ في حركة السفن، وارتفاع أسعار النفط، وتعقيد خطط إعادة التزود بالوقود، وتردد التحالفات الإقليمية. وإذ لا يُعدّ أحد أن إيران ستُفرض وحدها على ممر كهرمز دون معارضة دولية، فإن تجربة الأيام الأخيرة تُظهر أن إيران تمتلك القدرة على فرض قواعد اشتباك مختلفة، تجعل من أي محاولة لإجبارها على فتح المضيق دون تفاوض مكسباً إضافياً لها في ميزان التضحيات وال tactical victories. هذا يفتح الباب أمام مآلات تتجاوز منطقة الخليج، لتشمل ترتيبات جديدة في الأمن الدولي، وربما إعادة صياغة لفهمنا للحرب الحديثة، حيث يصبح “المرور الآمن” في الممرات البحرية المقياس الأهم لقياس القوة.
اكتشاف المزيد من مآلات ميديا
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.




















