مآلات ميديا – متابعات:
لم يعد مضيق هرمز مجرد شريان تعبره ناقلات النفط التي تنقل قرابة خُمس إمدادات الطاقة العالمية، بل بات يمثل في عمقه بنية تحتية أكثر حساسية وخطورة، تتمثل في شبكة الكابلات البحرية التي تحمل الغالبية الساحقة من حركة البيانات الدولية. في قاع هذا الممر الضيق تمتد سبعة كابلات رئيسية للألياف الضوئية، من بينها FALCON وAAE-1 وGulf Bridge International وSEA-ME-WE 6، لتربط الهند وجنوب شرق آسيا بالخليج ثم بأوروبا عبر مصر، ناقلة ما يزيد على 97% من تدفقات الإنترنت العالمية. هذه البنية الدقيقة، التي لا يتجاوز قطرها بضعة سنتيمترات، تستقر في أعماق ضحلة نسبياً تتراوح بين 60 و100 متر، ما يجعلها عرضة ليس فقط للحوادث العرضية مثل جرّ مراسي السفن، بل أيضاً لأعمال تخريب متعمدة في حال تصاعد التوترات العسكرية.
وقد كشفت حوادث سابقة، خصوصاً في البحر الأحمر، عن هشاشة هذه المنظومة، عندما تسببت أضرار لحقت بكابلات مثل AAE-1 وSeacom وEIG في اضطرابات واسعة طالت آسيا وأفريقيا والشرق الأوسط، وهو ما أعاد طرح سؤال الأمن الرقمي العالمي في مناطق النزاع. في هذا السياق، جاء التحذير الذي نُقل عبر وكالة تسنيم في أبريل 2026 على لسان الحرس الثوري الإيراني، ليضع هذه الكابلات في قلب معادلة الردع، باعتبارها نقطة ضعف يمكن أن تتحول إلى ورقة ضغط استراتيجية. الرسالة بدت واضحة وإن لم تُصغ بشكل مباشر: أي محاولة لخنق الموانئ الإيرانية أو فرض حصار بحري قد تقابل بتهديد لتدفق البيانات الذي تعتمد عليه الاقتصادات الرقمية في الخليج.
هذا التحول في الخطاب يعكس إدراكاً متزايداً بأن موازين القوة لم تعد تُقاس فقط بالسيطرة على مصادر الطاقة، بل أيضاً بالتحكم في البنية التحتية الرقمية. فالدول الخليجية، وفي مقدمتها السعودية والإمارات، استثمرت مئات المليارات في مشاريع تحول اقتصادي طموحة، من بينها مشروع نيوم، إلى جانب استثمارات ضخمة لشركات عالمية مثل أمازون ومايكروسوفت في مراكز البيانات والحوسبة السحابية. هذه المشاريع تعتمد بشكل شبه كامل على استقرار تدفق البيانات عبر الكابلات البحرية، ما يجعل أي انقطاع محتمل بمثابة ضربة مباشرة لأسس الاقتصاد الجديد الذي تسعى هذه الدول إلى بنائه.
وفي مقابل هذا الاعتماد العميق، تبرز محدودية البدائل المتاحة. فأنظمة الاتصالات عبر الأقمار الصناعية، بما فيها ستارلينك، لا تزال عاجزة عن تعويض السعات الهائلة التي توفرها الكابلات البحرية، سواء من حيث القدرة الاستيعابية أو الكلفة أو زمن الاستجابة. وبينما يمكن لكابل واحد أن ينقل مئات التيرابت في الثانية، تبقى القدرات الإجمالية للأنظمة الفضائية أقل بكثير، ما يجعل قاع البحر، paradoxically، هو العمود الفقري الحقيقي للعالم الرقمي.
من زاوية استراتيجية، يُظهر هذا المشهد أن أي تصعيد في مضيق هرمز لن يقتصر أثره على أسواق النفط، بل سيمتد إلى بنية الاقتصاد العالمي بأكمله. فتعطّل الكابلات لأسابيع قد يفضي إلى خسائر بمليارات الدولارات يومياً، ويؤثر في الأنظمة المصرفية وسلاسل الإمداد والتجارة الإلكترونية، مع انعكاسات تضخمية واسعة النطاق. كما أن مثل هذا السيناريو قد يدفع القوى الدولية إلى إعادة التفكير في خرائط الاتصالات العالمية، عبر البحث عن مسارات بديلة أو تعزيز الحماية العسكرية والتقنية لهذه البنى التحتية.
في المحصلة، يتضح أن الصراع في المنطقة يتجه نحو إعادة تعريف أدوات القوة والردع، حيث تتقاطع الجغرافيا البحرية مع الاقتصاد الرقمي في معادلة جديدة. ولم يعد التحكم في تدفق النفط وحده كافياً لفرض النفوذ، بل باتت القدرة على التأثير في تدفق البيانات عاملاً حاسماً في تشكيل التوازنات. وفي هذا الإطار، تتحول إيران من لاعب تقليدي في معادلة الطاقة إلى طرف يسعى لاكتساب موقع متقدم في معادلة “السيادة الرقمية”، مستفيدة من موقع جغرافي يمنحها القدرة على التأثير في أحد أكثر الأعصاب حساسية في النظام العالمي.
اكتشاف المزيد من مآلات ميديا
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.




















